الوصف

في خضم المشهد الإسلامي الأوسع، يبرز سؤال متكرر: هل «الإسلامية» (Islamism) تتلاشى حقًا، أم أننا نسيء فهم تطورها؟ تقدّم هذه الجلسة طرحًا مفاده أن الحركات الإسلامية تبنّت تحوّلاتٍ استراتيجية، يُوسَم كثيرٌ منها بالاعتدال، لكي تستمر تحت الهيمنة الكمالية مع الحفاظ في الوقت نفسه على طموحاتها طويلة الأمد في التغيير السياسي. ومن خلال رفض الدولة القومية كإطار مرجعي وحيد، واعتماد العالم الإسلامي بدلًا من ذلك عدسةً تحليلية، يتتبّع النقاش نمطًا عابرًا للحدود الوطنية يظهر جليًا في تركيا وبنغلاديش والسنغال، كاشفًا عن الإسلامية كقوة سياسية متحوّلة لا آخذة في التلاشي. وفي كتابها الجديد، ترى الدكتورة سكاريا أن المزاعم المتعلقة «بنهاية» الإسلامية تغفل عمقها الوجودي والسياسي، وأنه لا يمكن إدراك الإسلاميين كفاعلين سياسيين نشطين إلا بتجاوز الأطر الأوروبية المركزية والتي تتمحور حول الدولة، إذ تعكس 

تحوّلاتهم تكيّفًا استراتيجيًا لا تراجعًا أيديولوجيًا.

الدكتورة سُمَيّة سكاريا أستاذة مساعدة في النظرية السياسية بقسم العلوم السياسية والإدارة العامة في كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. حصلت على درجة البكالوريوس من جامعة بيلكنت، والماجستير من جامعة الشرق الأوسط التقنية، ونالت درجة الدكتوراه في علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية من جامعة ليدز سنة ٢٠٢٢. تتمحور أبحاثها حول تقاطع النظرية السياسية، والمجال العام، والدين، والهوية المسلمة، والإسلام، والإسلامية، مع تركيزٍ مستمر على الكيفية التي يُشكّل بها «السياسي» تكوّن الهويات. أمّا كتابها الأخير، «هل لا يزال الإسلاميون إسلاميين؟ تحليلٌ وجودي-علاقاتي» (٢٠٢٥)، فيقدّم مقاربةً وجودية-علاقاتية لاستمرار الإسلامية عبر سياقاتٍ مختلفة.

أدار النقاشَ وجلسةَ الأسئلة والأجوبة الدكتور عثمان بدر، رئيس التحرير في أُمَّتِكس.

السبت ٢٩ نوفمبر، الساعة ١:٠٠ ظهرًا بتوقيت الساحل الشرقي.

 

ملخّص الندوة

العرض الرئيسي (الدكتورة سُمَيّة سكاريا)

 

السؤال المحوري

  • ثمّة صراعٌ مستمر بين الإسلام بوصفه المبدأ التأسيسي المنظِّم للنظام السياسي، وبين المشروع العلماني المهيمن المتمثّل في «الكمالية»
  • في كتاب «هل لا يزال الإسلاميون إسلاميين؟: تحليل وجودي-علاقاتي» (٢٠٢٥)، يشكّل السؤال المركزي — «هل لا يزال الإسلاميون إسلاميين؟» — محورًا أساسيًا للتحليل، ويكتسب أهميةً خاصة لفهم الديناميكيات الراهنة والمسارات الأيديولوجية داخل المشهد السياسي.

 

«الإسلامية»

  • يُعَدّ مصطلح «الإسلامية» مصطلحًا إشكاليًا، ولا سيما في الأوساط الفكرية المسلمة. ومع ذلك، يُبقى عليه هنا لأغراضٍ تحليلية لا على سبيل التبنّي المعياري.
  • تبدو التفرقة بين «المسلم» بوصفه هويةً عامة، و«الإسلامي» بوصفه توجّهًا سياسيًا، ضروريةً لتحقيق قدرٍ من الوضوح التحليلي.
  • يُستخدَم المصطلح لوصف المشاريع السياسية التي تسعى إلى إعادة تمركز الإسلام في قلب النظام السياسي.
  • أمّا التخلّي عن المصطلح تماماً، فيُخشى أن يفضي إلى طمس الاختلافات بين الفاعلين الذين يقبلون الأنظمة السياسية العلمانية، وأولئك الذين يسعون إلى إعادة تسييس الإسلام وإعادته إلى مركز المجال السياسي.

 

نقد أطروحة «نهاية الإسلامية» و«ما بعد الإسلامية»

  • كثيرًا ما تفسّر السرديات الأكاديمية السائدة تحوّلات الحركات الإسلامية بوصفها دليلًا على فشلٍ أيديولوجي أو خروجٍ من الإسلامية.
  • يكشف التكرار المستمر عن زوال الإسلامية — عبر مراحل تاريخية مختلفة — عن تناقض مفاهيمي في الأدبيات.
  • فإذا كانت الإسلاموية قد انتهت بالفعل في تسعينيات القرن الماضي، فإن «وفاتها» المتكرّرة في العقود اللاحقة تفضح قصورًا في الإطار التحليلي المعتمد.

 

إعادة تأطير تحوّل الإسلاميين والكمالية كمشروع سياسي هيمني

  • إن «اعتدال» الإسلاميين هو تكيف تكتيكي وليس تخليًا أيديولوجيًا.
  • فالتحوّلات الاستراتيجية تمثّل استجاباتٍ للقيود المهيمنة داخل النظام السياسي.
  • إن الالتزام بإعادة تمركز الإسلام في قلب المجال السياسي لا يُلغى بالضرورة لمجرّد تغيّر الممارسة السياسية أو تبدّل أدواتها.
  • يُستعمل مصطلح «الكمالية» كإطارٍ مفهوميٍّ لوصف مشروع الدولة القومية ما بعد الخلافة، ذلك المشروع الذي أزاح الإسلام عن مركز الحياة السياسية.

 

«السياسة و«السياسي»: بين المستوى الإجرائي والمستوى التأسيسي»

  • ثمّة تمييز جوهري بين «السياسة» و«السياسي».
  • فـ«السياسة» تشير إلى الممارسات «الأنطية»  (أو العينية) مثل الانتخابات، والتنافس الحزبي، والحكم، وصنع السياسات ضمن قواعد قائمة ومحدّدة. وهي، بهذا المعنى، لعبة محكومة بقواعد تنظّمها المؤسسات والإجراءات والتوقّعات.
  • أمّا «السياسي» فيعمل على مستوى أنطولوجي، إذ يشمل الصراعات المتعلّقة بالهوية، والمعنى، والشرعية، وأسس النظام السياسي. وهو المجال الذي تظهر فيه القطيعة، والتنازع، والتحوّل غير المتوقّع.
  • كثيرٌ من الأدبيات القائمة يركّز حصرًا على «السياسة» مع إغفال «السياسي». والحال أنّه لا يمكن فهم السياسة الإسلامية فهمًا وافيًا من دون إدخال هذا البعد في التحليل.

 

منظور مقارن: تركيا وبنغلاديش والسنغال

  • يتناول عملي ثلاث دول، هي تركيا وبنغلاديش والسنغال، لإبراز أوجه التشابه البنيوي في العلاقة بين الإسلاميين والدولة.
  • في مرحلة التأسيس في هذه البلدان الثلاثة، برزت الكمالية وترسّخت بوصفها مشروعًا هيمنيًا، وإن اتخذت أشكالًا مختلفة في كل سياق.
  • على الرغم من تباين السياقات التاريخية والثقافية، فإن أنماطًا متوازية من التكيّف الإسلامي تبرز فيها جميعًا.

 

النقاش

فرضية الإدماج–الاعتدال

  • تُعَدّ فرضية الإدماج–الاعتدال، التي تبلورت في الأصل من خلال دراسات الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، مدخلًا لفهم الكيفية التي يمكن بها للمشاركة السياسية أن تعيد تشكيل المواقف الأيديولوجية والخيارات الاستراتيجية.
  • تفترض هذه الفرضية أنّ الفاعلين الإسلاميين، متى أُدرجوا ضمن الأنظمة السياسية، يميلون تدريجيًا إلى مزيدٍ من الاعتدال، ويتقاربون مع معايير الديمقراطية الليبرالية.
  • تُظهر أمثلة تاريخية من تركيا — كحلّ الأحزاب وسجن القيادات السياسية — و مصر، أنّ الاعتدال ليس حصيلة الإدماج وحده، بل قد يكون أيضًا ثمرة القمع.
  • كما أنّ الفاعلين الإسلاميين يملكون قدرًا من التأثير؛ فالدخول إلى المؤسسات السياسية ليس دائمًا فعلًا مفروضًا عليهم، بل يكون في كثير من الأحيان قرارًا استراتيجيًا. ومن ثمّ، فإنّ قرار دخول البرلمانات أو خوض الانتخابات كثيرًا ما يمثّل استجابةً استراتيجيةً لقيودٍ بنيوية، لا استسلامًا أيديولوجيًا، كما يظهر في حالة السيد أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية، الذي دخل البرلمان باختياره في خمسينيات القرن الماضي.

 

الإسلاميون والدولة والأجهزة الأيديولوجية للدولة

  • تكشف العلاقة بين الحركات الإسلامية وأجهزة الدولة الأيديولوجية كيف تُسهم هذه التفاعلات في تشكيل الممارسة السياسية وإعادة صوغ البنية الأيديولوجية.
  • الفاعلون الإسلاميون يظلون، بحكم الواقع، متشابكين مع بُنى الدولة القومية التي تُسهم في تشكيل الذاتية السياسية وتوجيهها.
  • غير أنّ الإخفاقات الأخلاقية والسلوكية التي قد تصدر عن بعض الفاعلين الإسلاميين لا تعني بالضرورة إخفاقات الإسلامية كمشروع سياسي.

 

إدارة المعارضة: الإكراه والرضا في ظل  الهيمنة الكمالية

  • تُدير الهيمنة الكمالية المعارضة الإسلامية عبر استراتيجيتين رئيسيتين: الإكراه والرضا.
  •  تشمل استراتيجيات الإكراه القمع، الحظر، الإعدامات، الحروب القذرة، والملاحقة القانونية للفاعلين الإسلاميين.
  • أمّا الرضا فيتجلّى في سياسات «الأسلمة» التي ترعاها الدولة، مثل التعليم الديني المعتمد رسميًا، اللغة الإسلامية الرمزية، المؤسسات الدينية الخاضعة للضبط، والاستيعاب الانتقائي لبعض الممارسات الدينية. 
  • تُسهم هذه الاستراتيجيات في تجريد الإسلام من طابعه السياسي، عبر اختزاله في الثقافة أو الأخلاق أو الهوية، بدلًا من اعتباره نظامًا سياسيًا.
  • في تركيا، أعقب القمع المبكر نمطٌ من الأسلمة الانتقائية عبر مؤسسات مثل مدارس الأئمة والخطباء، ودورات القرآن، وبعض مظاهر الإحياء الديني الرمزي.
  • وفي بنغلاديش، أزاحت القوميةُ الهوية الإسلامية عن المركز، مع إدماجٍ انتقائي للإسلام في اللغة الدستورية والسياسية.
  • أمّا في السنغال، فتعمل هيمنة كمالية أكثر ليونة من خلال علمانية دستورية تقترن باستيعاب الطرق الدينية ومراعاتها.
  • في جميع الحالات، تُطلِق الدولة مسارات الأسلمة، لا الحركات الإسلامية، غير أنّ هذه المسارات نفسها تفتح لاحقًا مجالاتٍ يشغلها الفاعلون الإسلاميون.

 

الاستشراق الضعيف والاستشراق القوي

  • يميّز سلمان سيّد بين «الاستشراق الضعيف والاستشراق القوي»، مستندًا إلى إدوارد سعيد. فالاستشراق الضعيف ينصرف إلى الملاحظة التجريبية والوصف السطحي للسلوك السياسي. أمّا الاستشراق القوي يُصوّر «الشرق» ككيان أنطولوجي وإبستيمي (ontological and epistemic object)، نافياً عنه الفاعلية ومجرِّدًا إيّاه من العقلانية السياسية.
  • إن فهم الإسلامية يقتضي تجاوز الوصف السياسي المباشر إلى مستوى التنظير للأنطولوجيا السياسية وللصراع التاريخي.

 

المعيارية والأخلاق والحدود السياسية

  • يبرز هنا سؤالٌ معياري يتعلّق بما إذا كان «اللعب داخل قواعد اللعبة» يواجه حدودًا أخلاقية في إطار التصور الإسلامي.
  • فالإسلامية لا تواجه أسئلةً استراتيجيةً فحسب، بل تُواجَه أيضًا بمساءلةٍ أخلاقية يكون مرجعها المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، لا نيل الرضا العام ولا أحكام الخارج.

 

تشبيه الإسلاميين بـ«الزومبي»، والتأطير الأمني، والتجريد من الإنسانية

  • يأتي تشبيه الإسلاميين بالزومبي في سياق تصويرهم كتهديدٍ أمنيٍ. ففي الخطاب السائد يُصوَّر الإسلاميون بوصفهم تهديداتٍ وجوديةً غير عقلانية ومُعدية، عاجزةً عن الحوار أو عن امتلاك الفاعلية. 
  • يحاكي هذا التأطير منطق مكافحة الإرهاب، ويُجرّد الفاعلين السياسيين من إنسانيتهم. وبهذا تُغلق إمكانات التفاوض، والمداولة، والخطاب السياسي.
  • ويُعتبر هذا المجاز شكلًا متقدّمًا من أشكال التحليل الاستشراقي الذي يضفي الشرعية على القمع.

 

الخلاف، والخطاب السياسي، والسياسة الراديكالية

  • يُبرز التفاعل مع «جاك رانسيير» دورَ الخطاب، والاختلاف، والظهور في العمل السياسي. ومن ثمّ، ينبغي النظر إلى الإسلاميين كفاعلين يعيدون إحياء الاختلاف في الأنظمة السياسية التي تسعى إلى إسكاتهم.
  • تتقاطع السياسة الإسلامية مع العمل الديمقراطي الراديكالي، من غير أن تُختزل في الأطر الديمقراطية الأوروبية المركزية.
  • يمكن فهم الفعل السياسي، على المستوى النظري، عبر مفهوم «الولادة» كما صاغته  «حنة آرنت»، فهو فعلٌ لا يمكن التنبؤ به، علائقيّ في بنيته، ولا تتضح دلالته إلا في ما بعد. والأحداث لا تغدو سياسية إلا عبر السرد، والشهادة، والتفسير التاريخي.
  • ومن هذا المنظور، يمكن فهم الفعل الإسلامي بوصفه محاولةً لافتتاح عالمٍ سياسي جديد عبر إعادة تمركز الإسلام في قلبه.

 

الأمة والدولة القومية والتناقض

  • ثمّة تمييز بين الإسلامية والوعي الأُمَّتِي.
  • فمع أنّ الإسلامية أُمَّتِيّة في أصلها من حيث المبدأ، فإن قيود الدولة القومية تُنتج تناقضاتٍ على مستوى الممارسة. وهذه الحدود القومية لا تنفي بالضرورة التوجّه الأُمَّتِي، بل تكشف عن قيودٍ بنيوية تحكم الفعل السياسي في السياق الحديث.
  • يغدو التوافق التام بين المثال الأُمَّتِي والممارسة السياسية أمرًا متعذّرًا في ظلّ الشروط الراهنة. ولذلك ينبغي أن يعتمد التحليل السياسي أفقًا زمنيًا تاريخيًا ممتدًا، بدل الارتهان إلى التقييمات القصيرة المدى.
  • كما ينبغي الحفاظ على منظورٍ متفائل غير غائي، قائم على الصبر التاريخي والتواضع السياسي، يُفهَم من خلاله أن الإسلامية ليست مشروعًا منتهيًا، بل صراعٌ سياسي مستمر ومتطوّر.

اكتشف المزيد

المؤتمر السنوي ٢٠٢٦ | الأمّة الاستراتيجية: إدارة الاختلاف، والتفكير ما بعد العلمانية، وبناء الأثر المستقبلي

مايو 1, 2026
مؤسسة أمّتكس

حماية المستضعَفين: إخفاقات النظام الليبرالي وآفاق خلق مخيال عالمي أمّتي

أبريل 29, 2026
حفصة كنجوال

الأمة إلى أين؟ الأمل في أزمنة الأزمات الوجودية

أبريل 13, 2026
مظفر إقبال

يبحث

يبحث

التنقل

ملتقيات أمّتكس
مجالات الاهتمام
أوراق بحثية
الاصدارات
عن أمّتكس
يبحث