هندسة إسلام وطني: التشكيل الكمالي لرئاسة الشؤون الدينية

 

الوصف

أشار إلغاء الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤ إلى ما هو أبعد من إنهاء مؤسسة سياسية؛ إذ مثّل تفكيك إطارٍ عمره قرون للسلطة الإسلامية العابرة للحدود. وفي المقابل، أنشأت الجمهورية في تُركيا مؤسسة «ديانت» (رئاسة الشؤون الدينية) بوصفها هيئة دينية خاضعة للدولة، صُمّمت لتدجين الإسلام داخل حدود مشروع علماني-قومي. وقد أعادت هذه التحوّلات توجيه العلاقة بين الدين والسلطة، فاستُبدلت العالمية الرمزية والفقهية للخلافة بجهازٍ مركزي بيروقراطي قادر على إدارة الحياة الإسلامية واحتوائها. وبعيداً عن كونها حالة استثنائية، تعكس هذه النقلة نمطاً أوسع في الحوكمة الحديثة، حيث تُقوّمَن الدولُ السلطةَ الدينية كي تُحاذي الإيمان مع المصالح التي تعرّفها الدولة لنفسها. إن دراسة المشروع الكمالي يفتح نافذة لفهم كيف أُعيد تعريف الهوية الإسلامية تحت وصاية علمانية، وكيف أُعيدت صياغة التنوّع داخل المسلمين عبر هياكل الدولة، وكيف ما زال فقدانُ المؤسسات العابرة للحدود يُشكّل إمكانات – وحدود – الوحدة الأُمّتيّة والخيال السياسي الإسلامي اليوم.

 

الملخّص 

المداخلة الرئيسية

 

تمهيد

  • قد تكون «ديانت» (رئاسة الشؤون الدينية) أهم دائرة حكومية في تركيا وأكثرها حيوية.
  • لا بد من وضع هذا الموضوع ضمن سياق ما أعقب إلغاء الخلافة العثمانية، وما رافق بدايات الجمهورية التركية من إصلاحات جذرية.
  • بينما تميل الرؤى العلمانية تجاه مصطفى كمال أتاتورك إلى قدرٍ من الثبات – إذ يُصوَّر بوصفه منقذاً للأمة ومؤسِّساً للجمهورية الحديثة – فإن الرؤى الإسلامية أكثر تعقيداً؛ إذ تتراوح بين تصوير إيجابي له بوصفه مُجدِّداً صادقاً للإسلام، وتصوير سلبي له بوصفه خصماً للإسلام.
  • والسؤال المركزي الذي تتناوله الندوة هو: كيف تعامل النظام الكمالي مع الإسلام بعد إلغاء الخلافة سنة ١٩٢٤؟

 

إلغاء الخلافة وتأسيس الدولة القومية في تُركيّة

  • في ٣ مارس ١٩٢٤، ألغت حكومة مصطفى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية.
  • أزال ذلك مؤسسةً عمرها قرون كانت تمثّل رمزاً مركزياً لوحدة المسلمين وسلطتهم.
  • لم تكن جميع سياسات أتاتورك موجّهة ضد الإسلام؛ بل إن الدولة أعادت تعريف دور الإسلام في الجمهورية الجديدة، فشجّعت بعض أبعاده وقيّدت أبعاداً أخرى، بقصد ضبطه وتسخيره في خدمة المشروع القومي العلماني.
  • صيغت الهوية القومية التركية ضمن إطار قومي علماني، مما قمع هويات الأقليات مثل الأكراد والعرب والشركس، كما همّش المكوّن الإسلامي في الهوية التركية.
  • قُسّمت وظيفة «شيخ الإسلام» العثماني – بوصفه ممثلاً لدور الإسلام داخل الدولة – بين خمس دوائر حكومية حديثة: العدل، التعليم الأساسي، التعليم العالي، الأوقاف والشؤون الدينية.

 

إنشاء رئاسة الشؤون الدينية «ديانت»

  •  في ٣ مارس ١٩٢٤، وخلال ساعات من إلغاء الخلافة، أنشأت الدولة «رئاسة الشؤون الدينية» (ديانت) لتنظيم الشأن الإسلامي وضبطه.
  • كانت هذه الهيئة ترفع تقاريرها مباشرة إلى مكتب رئيس الوزراء، ما يدل على إدماجها في أعلى مستويات الحكم.
  • ماذا تقوم به «ديانت»؟
    • إدارة جميع المساجد (٩٠٠٠٠).
    •  إدارة جميع مدارس القرآن الرسمية (٢٢٠٠٠).
    •  توظيف ما يقارب ١٥٠٠٠٠ من العاملين.
    •  التمتع بميزانية تفوق ميزانيات معظم الوزارات الكبرى.
    •  تدريب متخصص للكوادر.
    •  النشر والبث (التلفزيون والراديو).
    •  أعمال الإغاثة والخدمات الاجتماعية والصدقات.
    •  الإرشاد الديني والإفتاء،مما أدى إلى نشوء نظام قانوني موازٍ في تُركيّة في مجالات متعددة، ولا سيما قانون الأسرة والقانون التجاري.
    • شؤون الحج وخدمات دينية أخرى.
    •  أنشطة دولية (خاصة في أوروبا): إرشاد ديني، قضايا اجتماعية (مثل مكافحة الإدمان)، واستخدامها أداة ثقافية ودبلوماسية للدولة التركية في الخارج.
  • تشمل وظائف «ديانت» كذلك:
    •  الإشراف على المساجد والأئمة.
    •  ضبط الخطب والمنشورات الدينية والتحكم بها.
    •  إدارة التعيينات وتأديب رجال الدين.
    •  توجيه الممارسة الإسلامية بما ينسجم مع مبادئ الجمهورية.
  • الوضع القانوني لـ«ديانت»:
    •  تنص المادة ٢ من دستور ١٩٨٢ على أن تُركيّة جمهورية علمانية.
    •  تنص المادة ١٣٦ من دستور ١٩٨٢ على تأسيس «ديانت» بوصفها دائرة حكومية قومية علمانية «غير مُسيّسة»، ومكلّفة لا بخدمة الإسلام، بل بإدارة الشأن الديني وفق منطق الدولة.
    • تحظر المادة ٨٩ من قانون الأحزاب السياسية لعام ١٩٨٣ الدعاية الحزبية ضد «ديانت» – وقد طُبّق هذا الحظر بصرامة أشد من الحملات ضد هيئات دستورية أخرى، مثل المحكمة الدستورية أو غيرها من أجهزة الدولة – وقد أفضى ذلك إلى إغلاق حزب الحرية والديمقراطية عام ١٩٩٣.
  • «ديانت» بوصفها أداة للضبط والسيطرة:
    • الأفراد: الأئمة موظفون مدنيون يتقاضون رواتبهم من الدولة.
    • الرقابة العقائدية: يتم صياغة الخطب (الخطب) مركزياً وتنظيمها بشكل صارم.
    •  التعليم: أُخضع التعليم الديني لإشراف علماني صارم.
    • قمع الاستقلالية: حُظرت أو قُيّدت الجماعات الدينية المستقلة (ولا سيما الطرق الصوفية).

 

التوترات في منطق «الإسلام القومي»

  • سعت القيادة الكمالية إلى صياغة «إسلام قومي» – أي إسلام مُدجَّن تحت سلطة الدولة – ليخدم القومية والتحديث والولاء للجمهورية.
  • قد استلزم ذلك نزع الإسلام من ادّعاءاته الكونية والعابرة للحدود (مثل الجامعة الإسلامية)، وإعادة تقديمه بوصفه مورداً ثقافياً-أخلاقياً منسجماً مع القومية التركية. / وهذا يعني تجريد الإسلام من المطالبات العالمية والعابرة للحدود الوطنية (مثل القومية الإسلامية) وإعادة تقديمه كمورد ثقافي وأخلاقي متوافق مع الهوية القومية التركية.
  • على الرغم من أن الجمهورية رفعت شعار العلمانية، فإنها تولّت إدارة الإسلام عبر «ديانت»، مما خلق مفارقة واضحة.
  • تم تجريد الإسلام من السياسة نظرياً، لكنه استُخدم عملياً لتبرير النظام الجديد، تعزيز القومية، تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
  • مع مرور الوقت، جعل هذا النموذج الإسلام تابعاً لسلطة الدولة، لكنه – في الوقت نفسه – أعاد تسييس «ديانت» نفسها بوصفها أداةً من أدوات الحكم.

 

إرث «ديانت»

  • لم تكن «ديانت» نتاج لالتزام أيديولوجي بالعلمانية، ولا تنازلاً لضغط إسلامي؛ ولم تكن كذلك إنشاءً ليبرالياً، ولا نتيجة لمطلبٍ إسلامي. بل كانت – في جوهرها – أداةً براغماتية للدولة لمعالجة الشأن الإسلامي وإدارته وضبطه.
  •  «ديانت» لا تُنازع العقيدة الإسلامية التقليدية، ولا تُنازع النظام أو الحكومات المتعاقبة؛ وبذلك تحافظ على موقعٍ وسيط بين المرجعية الدينية من جهة والسلطة السياسية من جهة أخرى.
  •  أصبحت «ديانت» مؤسسة راسخة استمرت بعد أن تجاوزت النخبة الجمهورية المبكرة.
  • استمرت الحكومات اللاحقة في توظيفها، مع توسيع صلاحياتها أحياناً، أو إعادة توجيه خطابها بما ينسجم مع أجنداتها السياسية.
  • أما الإرث الأبرز، فهو أن الإسلام في تُركيّة ظل متشابكاً مع الدولة – لا بالمعنى الكهنوتي(clerical sense) – بل بالمعنى البيروقراطي والسياسي.

 

النقاش والأسئلة والأجوبة

مفارقة الدولة والدين

  • فيما يتعلق بإمكان تعايش العلمانية مع هذا المستوى الكثيف من تحكّم الدولة في الدين، فإن العلمانية التركية (اللائكية) لا تقوم على إقصاء الدين، بل تتعلق بإخضاع الدين لسلطة الدولة من قبل الدولة، من خلال إدارة الدولة.
  •  تُعامل الدولة «ديانت» بوصفها «خطاً أحمر» ومحميّة من النقد؛ لا بدافع الغيرة على الإسلام، بل لحاجةٍ سياسية حاسمة إلى صيانة سيطرة الدولة على الإسلام.

 

تطور «ديانت» بعد أتاتورك

  • تغيّرت «ديانت» بعد الحقبة الأولى من حكم الحزب الواحد، إذ أعادت الحكومات المتعاقبة توظيف المؤسسة وفق حاجاتها:
    • في سياق الدفع نحو التتريك، أقرّت تتريك الأذان (١٩٣٢–١٩٥٠)، لا تتريك الصلاة نفسها.
    • في خمسينيات القرن العشرين، ومع صعود التعددية الحزبية، عاد الإسلام إلى المجال العام.
    • استخدمت أنظمة لاحقة «ديانت» لتسخير الهوية الإسلامية لتحقيق مكاسب انتخابية.
    • في ظل حكومات حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة، خفّفت «ديانت» من التزامها بقومية تركية ضيقة، ووسّعت نفوذها داخلياً وخارجياً.
    • في ظل حكومة محتملة بعد حزب العدالة والتنمية ذات توجه علماني أكثر، قد يتم إعادة توظيف دور رئاسة الشؤون الدينية، ولكن لا يمكن استخدامها كسلاح ضد الإسلام في حد ذاته.
  • مع عمل «ديانت» داخل بنية الدولة، فإن لها حدوداً تكشفها بعض الوقائع؛ فالموسوعة الأكاديمية الضخمة «موسوعة الإسلام» التي صدرت عن وقف «ديانت»، لم تتضمن في طبعاتها المبكرة مدخلاً بعنوان «كردي/الأكراد»، بما يعكس قيوداً سياسية ومعرفية مرتبطة بسياق الدولة.

 

الطرق الصوفية والأشكال البديلة من التدين الإسلامي

  • قد ينتمي بعض موظفي «ديانت» إلى طريقة صوفية، لكن لا يُسمح لهم بإعلان هذه الانتماءات أو الترويج لها، كما لا يُسمح لأي طريقة صوفية بأن تمارس نفوذاً على «ديانت».
  • لا تُعتمد علناً إلا المؤسسات التعليمية التقليدية الرسمية الواقعة تحت إشراف الدولة العلمانية – مثل مدارس «إمام خطيب» (İmam Hatip schools) وكليات «الإلهيات» (İlahiyat Fakültesi).
  • مع أنّ الطرق الصوفية قُمعت في عهد أتاتورك والحكومات اللاحقة، فإن «ديانت» لم تُقرّ بذلك القمع آنذاك، كما أنها لا تُقرّ اليوم بانعدام القمع أو تغيّر شروطه.
  • تُظهر استمرارية الطرق الصوفية حدود احتكار «ديانت»، حتى مع هيمنتها على المجال الديني الرسمي.
  • قبل خمسينيات القرن العشرين، جرى تجريم شخصيات مناهضة للنزعة العلمانية مثل مصطفى صبري وسعيد النورسي بوصفهم أعداء للنظام، لكن في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية وصلت «ديانت» إلى نشر أعمالهم.

 

الشريعة الإسلامية وقانون الدولة

  • هناك مجالات تتصادم فيها الشريعة الإسلامية – كما تنعكس في فتاوى تصدرها «ديانت» – مع قانون الدولة.
  • قد يفضي هذا على المدى الطويل إلى تقويض الدولة وإضعافها.
  • ومن ثم يمكن الدفاع عن أطروحة – حتى من منظور علم الاجتماع لا من منظور الإسلام بالضرورة – مفادها أن اعتراف الدولة بالشريعة الإسلامية بوصفها «واقعاً اجتماعياً» من شأنه أن يُقوّي الدولة ويزيد تماسكها.

 

الشرعية المؤسسية والتلقي الشعبي

  • مع أنّ الأئمة لم يكونوا مُعيَّنين من الدولة في العهد العثماني، فإنهم كانوا مُلزَمين بالتخرّج من المدرسة الشرعية التقليدية.
  • تباينت استجابات الناس تجاه مدى ثقتهم بسلطة «ديانت»:
    • يرى كثيرون أن الأئمة المُعيَّنين من الدولة يتمتعون بشرعية، ولا سيما حين تضمن «ديانت» إمكانية الوصول المستمر إلى الخدمات الدينية.
    • بينما ينظر آخرون إلى «إسلام الدولة» بوصفه غير أصيل، ويفضّلون الرجوع إلى سلطات دينية بديلة.

 

مقارنات مع دول أخرى

  • ترى دول أوروبية ليبرالية في كثير من الأحيان وجهاً من الوجاهة في فكرة المساجد والمؤسسات الإسلامية الخاضعة لإشراف الدولة، لكنها تخشى أن يؤدي تبنّي هذا النهج إلى جعل هذه الدول أقل ليبرالية.
  • مع أنّ دولاً كثيرة تنظّم الشأن الديني بدرجات متفاوتة، فإن إنشاء تُركيّة لسلطة بيروقراطية مركزية على نمط «ديانت» يظلّ فريداً نسبياً من حيث النطاق والاستمرارية، ولا سيما عند مقارنته بقصور الكفاءة البيروقراطية في دول قمعية مثل مصر.
  • توجد بعض أوجه الشبه مع الرقابة الدينية في إيران (مع اختلاف التوجه الأيديولوجي بل تعاكسه)، أو مع تحكّم بعض الدول العربية في خطب الجمعة.

 

فشل الإسلامية؟

  • يرى البعض أن آفاق الإسلامية في تُركيّة باتت ضعيفة؛ إذ إن إخفاقات حزب العدالة والتنمية جعلت الناس أقل استعداداً لتأييد الإسلامية.
  • مع ذلك، فإن حزب العدالة والتنمية هو في جوهره ومنهجه كمالي: فبينما يعتبر “الإسلام الكمالي” فاشلاً، قد تنجح نسخ أكثر أصالة تستند إلى قدرة الإسلام الفريدة على التضامن الاجتماعي، والأسس الفلسفية والأيديولوجية، إعداد القيادة.
  • كما أن مرحلة «ديانت» الأكثر تحفظاً وخجلاً تبدو – وفق هذا التصور – جزءاً من الماضي لا من المستقبل.

 

«ديانت» والإبادة الجماعية في غزة

  • تُصاغ خطب الجمعة مركزياً، وتُوحَّد على مستوى البلاد.
  • مع أنّ التعاطف مع فلسطين شعورٌ حقيقي ومتجذّر، فإن الحكومة تتوجّس من السماح بتعبيرٍ مفتوح قد يضعف علاقتها بالدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة.
  • لذلك تمارس «ديانت» رقابةً ذاتية لتنسجم مع سياسة الحكومة.

 

دروس أوسع

  • قد تؤدي تُركيّة دوراً مستقبلياً في القيادة الأُمّتيّة، لكنها ستكون في موقعٍ أفضل إذا خفّفت من إبراز الهوية التركية، ولا سيما في ظل وجود كتلتين كبيرتين من الأكراد والعرب داخل البلاد.
  • إن شعور الدولة – في نظر كثيرين – بضعف العدالة، وتردّي الأداء السياسي والاقتصادي، مقترناً بتديّن استعراضي، دفع بعض الشباب إلى نظرة سلبية تجاه الإسلام، وأحياناً إلى حدّ تركه.
  • تُسهم حالة تُركيّة في إغناء النقاشات العالمية حول الدين وبناء الدولة الحديثة.
  • محاولات استئصال الدين غالباً غير عملية؛ أما الاحتواء عبر الاستيعاب والضبط فقد يحقق استقراراً للنظام، لكنه يُنتج توترات بعيدة المدى حول الأصالة والشرعية والتسييس.

اكتشف المزيد

الأُمّة السيبرانية، الهيمنة الخوارزمية، وإزالة الاستعمار الرقمي

January 15, 2026
د. سحر خميس

شَبَح الاستعمار الرَّقْمي والواجب الأمّتي

January 2, 2026
مُبين فايد

الخيال ومستقبل الأمّة

December 21, 2025
صادق حامد

يبحث

Search

التنقل

ملتقيات أمّتكس
مجالات الاهتمام
أوراق بحثية
الاصدارات
عن أمّتكس
Search