هذا نصّ محاضرة أُلقيت في مؤتمر أُمّتِكس في إسطنبول في يوليو ٢٠٢٥.

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤسسة أُمّتِكس هي مركز بحثي مخصَّص لتوحيد الأمّة المسلمة وإعادة اندماجها، وسأعرض خلال الدقائق الخمس والعشرين القادمة الكيفية التي نعتزم من خلالها السعي لتحقيق هذا الهدف. وعند بيان هذا «المنهج» أو المسلك «الأمتي»، فإنني أُقرّر جملةً من المعتقدات المتَّفَق عليها، كما أُعبّر عن بعض المسلّمات الضمنية وأوضّح ترابطاتها المفاهيمية.

أبدأ ببيان طموحنا ومعيارنا الأعلى، ألا وهو المنهج النبوي. فما هو سبيل الأنبياء؟ إنه يتجلّى أكمل ما يكون في طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أمره الله سبحانه وتعالى فقال:

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾.1

هذا الطريق يقتضي البصيرة والحكمة؛ أي فهماً عميقاً لرسالة الله، وحكمةً في إدراك الواقع، وثقةً بوعد الله، وثباتاً في الموقف، والعزم على التمسّك برسالتك.

هذا الطريق هو أن تبني – كما فعل نوح عليه السلام – السفينة، ولو سخروا منك ولم يروا الطوفان القادم، وأن تقف – كما فعل موسى عليه السلام – مع المستضعفين في وجه طغيان فرعون الذي يبدو عصيّاً على القهر، وأن تُحاجِج – كما فعل إبراهيم عليه السلام – بالعقل والحكمة، وتكون مستعداً للتضحية بأعزّ ما تملك في سبيل الله.

وفوق ذلك كلّه، فهو اتباع خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، الذي توكّل على الله تمام التوكّل، مع أخذه بكل الأسباب المتاحة. فقد تحصّل على العلم الذي يُمكّنه من التصرّف بحكمة، وشاور أصحابه، وبعث العيون، وقام الليل، وخطّط بأقصى درجات العناية. ويُحصي علماء السيرة ما يقارب سبعين أمراً عمل به النبي صلى الله عليه وسلم حيطةً قبل هجرة إلى المدينة، مع تمام توكّله على الله سبحانه وتعالى. فاتّباعه صلى الله عليه وسلم يكون بأن تعمل برؤيةٍ واضحة رغم الأذى والعداء والمخاطر، وأن تبقى مفعماً بالأمل حين يستسلم غيرك لليأس، وأن ترى – في شرر الصخر حين يُضرَب أثناء حفر الخندق في حال الحصار – خضوع قصور الروم والفرس مستقبلاً للحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تحلم لا على قدر طاقتك، بل على قدر رجائك في الله سبحانه وتعالى.

إنّ المنهج النبوي ليس صيغةً جامدة ولا وصفةً محددة، ولا هو مقيّدٌ بعددٍ من المراحل أو السنين، بل هو طريقٌ تصوغه الرؤية: رؤيةٌ استراتيجية، حكيمة، واعية وعياً عميقاً للمحيط الذي هي فيه. كما أنه يفسح المجال للاختلاف وتنوّع الطبائع والمقاربات، فقد عاتب موسى هارون عليهما السلام لأنه لم يمنع قومه من عبادة العجل، حتى بيّن هارون أنه خشي الفرقة وانتظر اللحظة المناسبة، مقدِّماً وحدة الجماعة على المواجهة المباشرة. وهذا الطريق يتطلّب صبراً ومصابرة؛ فقد لبث نوح عليه السلام في قومه قريباً من ألف سنة.

ومع وجوب السعي، فإن الدعاء لازمٌ لا ينفك:

﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾.2

ومن هنا، ننطلق بقراءةٍ دقيقة لواقعنا الراهن – كما فعل كبار المجدّدين من العلماء حين صاغوا جهودهم بما يستجيب لحاجات زمانهم. فقد واجه بعضهم أزماتٍ فكرية، وتعامل آخرون مع اضطراباتٍ اجتماعية أو سياسية، وكان كل تجديدٍ مرتكزاً على الحقيقة نفسها مع تكيّفه مع لحظته التاريخية. فما هي اللحظة التي نعيشها نحن؟

 

الأنثروبوسين

نعيش اليوم لحظةً تاريخية لا تشبه ما سبقها، مرحلةً من التحولات الجذرية التي تتجاوز الأطر التصنيفية التي ورثناها عن الأجيال الماضية. فقد فاقت الابتكارات التكنولوجية خلال الثلاثين سنة الماضية ما تحقّق في القرون الثلاثة السابقة، وهذه بدورها تجاوزت ما شهدته ثلاثة آلاف سنة قبلها.

وقد وصف بعضهم هذه المرحلة بثورة المعلومات (Information Revolution)، بوصفها في حجمها وتأثيرها مماثلةً للثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وللثّورة الزراعية قبل عشرة آلاف سنة. صحيح أن التاريخ عرف عصوراً أخرى من الاضطراب والتحوّل، غير أن ما يميّز حاضرنا هو التزامن الكوني والتشابك العميق لهذه التحولات. فمنذ الثورة الصناعية، لم يعد النشاط الإنساني يغيّر بنى المجتمعات فحسب، بل أعاد تشكيل المسرح ذاته الذي تجري عليه أحداث الحياة الإنسانية، ولم يعد مصطلح «العولمة» كافياً للإحاطة بحجم هذه التحولات أو عمقها.

لقد أعادت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتلاشي الحدود بين المعرفة والعمل والهوية والسلطة، تشكيل الحالة الإنسانية بوتيرة متسارعة مذهلة. وفي الوقت نفسه، يلوح تغيّر المناخ بوصفه تهديداً وجودياً، يعيد تشكيل النظم البيئية، ويؤجّج الحروب والهجرات، ويزعزع استقرار مجتمعات بأكملها. ويُطلق على هذا التلاقي الواسع بين التحوّلات التكنولوجية والبيئية والسياسية والاجتماعية اسم حقبة التأثير البشري، أو الأنثروبوسين (Anthropocene)، أي الحقبة التي أصبح فيها الفعل الإنساني القوة المهيمنة في تشكيل مناخ الأرض وبيئتها ومستقبلها.

ولا يقلّ عن ذلك أثراً تصاعدُ اللامساواة الحادّة في ظل رأسمالية منفلتة وقوة تكنولوجية متعاظمة. فاللّامساواة قديمة قِدم الحضارة، غير أنها لم تبلغ من قبل هذا الحدّ، حيث يملك عددٌ محدود من أصحاب المليارات والنخب السياسية نفوذاً عابراً للحدود بهذا الاتساع – بثرواتٍ تفوق اقتصادات دول بأكملها. وتحت وطأة هذا التركّز للثروة والسلطة، تتآكل البنى التقليدية للسلطة الدينية والثقافية والسياسية.

وبالنسبة لنا – نحن المسلمين – فإن هذا الواقع المتشكّل يفرض سؤالاً ملحّاً: ما مسؤوليّتنا أمام الله سبحانه وتعالى في عصر التأثير البشري؟ فإذا كان الإنسان قد أصبح قوةً تؤثر في كوكب الأرض ذاته، فإن عبء الخلافة – بمعنى عمارة الأرض ورعايتها – لم يكن في أي وقتٍ مضى أثقل مما هو عليه اليوم. ولم نعد مكلّفين بمجرد التعامل مع العالم الطبيعي والاجتماعي بوصفه معطىً مسلَّماً به، بل أصبحنا مدعوّين إلى استنطاق الحكمة الموحى بها، وتفعيل الشروط التي تمكّننا من أداء هذه الأمانة الإلهية.

 

عصر الإحياءات الإسلامية

في عصر الأنثروبوسين، حيث بلغت قدرة الإنسان على تغيير طبيعة الحياة مدىً يتجاوز كل ما كان متخيَّلاً من قبل، أصبحت العلمانيّة نموذجاً مغرياً. ومع ذلك، وعلى الرغم من الاتجاهات العالمية القوية نحو العلمنة، فإنّ هذه التحولات العميقة لم تُفضِ إلى تراجع الإسلام في ذاته.

ولننظر في بعض المؤشرات، وأولها الديموغرافيا. ففي سنة ١٩١٠م، شكّل المسلمون ما يقارب ١٠–١٣٪ من سكان العالم – أي نحو ٢٠٠ مليون نسمة من أصل قرابة ملياري نسمة حول العالم. أما اليوم، فقد اقترب عدد المسلمين من مليارَي إنسان، مع توقّعات بأن يشكّلوا نحو ٣٠٪ من سكان العالم بحلول سنة ٢٠٥٠. وليس هذا مجرّد نتيجة للنمو السكاني الطبيعي، بل يعكس صمود الإسلام وحيويّته واتّساعه بوصفه تراثاً عالمياً حيّاً، رغم ظروفٍ شديدة العداء.

والأكثر دلالةً من ذلك هو هذا الإقبال المتجدّد على الإسلام بين المسلمين في أنحاء العالم. فعلى الرغم من قرنٍ كامل من محاولات علمنة المجتمعات المسلمة – عبر التعليم، وإكراه الدولة، والإعلام، والسياسات الاقتصادية – لم يتضعضع مستوى الالتزام بالدين. بل تعمّق الالتزام الديني في كثير من المناطق، خاصةً بين الشباب، وتجلّى ذلك في تجدّد الاهتمام بدراسة القرآن، والفقه الإسلامي، والأخلاق النبوية، واللغة العربية، بل وحتى علمي الفلسفة والكلام الإسلاميين في عصور ما قبل الحداثة. كما تشهد على ذلك الحركات الواسعة المرتبطة بالحجاب، والمصرفية الإسلامية، وأنماط الحكم المستندة إلى الشريعة، وإن كانت هذه المشاريع لا تخلو من نقصٍ أو تناقض.

إنّ هذا النجاح هو ثمرة جهود إحيائية متواصلة، على تنوّعها الكبير، بدأ كثيرٌ منها في أواخر القرن التاسع عشر، وإن ظلّ جانبٌ منها غير مُعترف به أو غير مُدوَّن. فمن حركات العلماء ومؤسسات التعليم، إلى الحركات الاجتماعية والسياسية، ومن التيارات الإصلاحية إلى المحافِظة، ثم في العقود الأخيرة من حركات الجهاد المقاوم إلى رجال الدولة ذوي النزعة الوحدوية الإسلامية – كلّها أسهمت في إرساء أسسٍ شكّلت الوعي الديني في العالم الإسلامي، وأبقت الإسلام حيّاً بوصفه مصدراً للشّعور الفردي والانتماء العام في آنٍ واحد.

 

الانحدار المتسارع للفشل السياسي

على الجانب الآخر من هذا الإحياء الروحي والفكري، لا يمكننا إنكار حقيقة مؤلمة هي الفشل السياسي الجماعي للأمة – فشل في الفاعلية، وفي صناعة العالم، وفي الاضطلاع بدور الذات الأخلاقية والسياسية الموحَّدة في مسار التاريخ. وما نشهده اليوم، بألمٍ بالغ، هو استمرار تفكّك التماسك السياسي للأمّة.

لقد عانى المسلمون صدمةً تلو أخرى: احتلال استعماري أعقبته أنظمة استبداديّة محلّيّة تحاكيه؛ تهجير جماعي وهجرات قسريّة؛ إخضاع اقتصادي وتخلّف مزمن؛ تفكّك ثقافي واضطراب أخلاقي – وها نحن اليوم أمام إبادةٍ جماعية تُبَثّ مباشرة، تتواطأ فيها النخب السياسية في الدول المجاورة.

وثمّة سرديّتان متنافستان في تفسير ما حدث من خلل: تزعم إحداهما أنّ المشكلة تكمن في الإسلام ذاته عند تطبيقه – إذ يُقال إنّه يحلم بالمستحيل، ويرفض القبول بالأمر الواقع، ولا يعترف بالتفوّق الكامل للغرب وغلبته، ولا لامتداده الاستعماري في إسرائيل كذلك. وهو يطالب بالعدل، فإذا مُنِع هذا المطلب، انفجر غضباً واضطراباً، بل وعنفاً. ووفق هذا التصوّر، فإنّ أيّ حركة إسلامية لا تبعد إلا خطوةً واحدة عن رفع السلاح. ومن ثمّ، فجوهر الأزمة هو أنّ المسلمين يرفضون الخضوع. أما «الحلّ» فهو ترويضهم – عبر الاستبداد، والطبقية، وفرض الاستسلام. أي العودة إلى الجبريّة، تلك البدعة القديمة، ولكن بثوبٍ جديد يُسمّى «الواقعيّة».

وهذه هي السرديّة التي تقف خلف الاتفاقيات الإبراهيمية (Abraham Accords) الموقَّعة سنة ٢٠٢٠، وما سُمّي صفقة القرن (deal of the century)، فهي سرديّة تطالب المسلمين بالخضوع المطلق لحكّامهم. وقبل قرنٍ من الزمن، تخيّل الكاتب السوري عبد الرحمن الكواكبي مؤتمراً لمفكّري المسلمين من جميع أنحاء الأمّة في عمله الأدبي «أمّ القرى»، وخلُص إلى أنّ أعظم أسباب هزيمتنا هو الاستبداد. وكان تشخيصه سيبلغ دقّةً أكبر لو استند إلى التعبير القرآني عن الفكرة نفسها، حيث يقول تعالى في شأن فرعون:

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.3

فمصطلح «الاستخفاف» يدلّ في أصله على التهوين من شأن الناس. فإذا كان الاستبداد يعني التفرّد بالقرار واحتكار السلطة، فإنّ الاستخفاف يعني إهانة الناس والاستخفاف بعقولهم، والتلاعب بمخاوفهم وولاءاتهم، وحرمانهم من الكرامة والحقوق والاهتمام الحقيقي بمصالحهم.

وما علينا إلا أن نشقّ طريقنا بين طرفين متقابلين: فمن جهة، يقف النظام الفرعوني العالمي ومن يسانده محلّياً، ممّن يزعمون محاربة الإرهاب في الوقت الذي يموّلون فيه العنف الجماعي ويسلّحونه ويبرّرونه، وقد سقطت أقنعتهم. وكما واجه موسى عليه السلام فرعون، فإنّنا نواجه اليوم فراعنة في زماننا، ومعهم قارون – من أصحاب الثروات الهائلة الذين يموّلون الطغيان ويستفيدون من الخيانة.

والحقيقة أنّ القوى العالمية تخشى قوّة الإسلام وحيويّته – التي أشرنا إليها سابقاً – وهو ما يفسّر شدّة القمع، وتفكّك ما تبقّى من الأعراف والمؤسّسات الدولية، وانهيار دعاوى حقوق الإنسان. أمّا «العقد الاجتماعي» الجديد الذي تعرضه نخب الحكم في كثير من الدول المسلمة على شعوبها – خاصةً منذ أحداث ١١ سبتمبر وتحت الظل القاتم لما سُمّي «الحرب العالمية على الإرهاب» – فهو أن تقبل الجماهير المسلمة العيش في سجنٍ مفتوح، بينما تقوم النخب الحاكمة ببيع أحلامها وثرواتها للقوى الاستعمارية.

ولا شك أن النزعات الإقصائية والعنف والتطرّف تمثّل تهديداتٍ حقيقية، غير أن أعظم زيفٍ ينبغي مواجهته هو الادّعاء بأنّها السبب الجذري للمشكلة، بل هي في حقيقتها مجرّد أعراضٍ لمرض الاستبداد. ولعلّ الاستعارة الطبّيّة الأدقّ لتوصيف هذه الحالة هي «الاعتلال المشترك» (comorbidity)؛ إذ إنّ الأفكار المتطرّفة والنزعات الطائفية ليست إلا حالاتٍ متزامنة نشأت نتيجة ما تعانيه الأمّة من «الاستخفاف» بكرامتها. فقد خلّف الاستعمار ومن ورثه خراباً أخلاقيّاً عميقاً، تمثّل في استبطان الهزيمة والتشظّي، حتى إنّ بعضنا وقع في إثم الانصياع لهذا الواقع مما جعل مقاومته وتغييره أشدّ صعوبة. ولا تزال «النزعة الخارجية»– حماسة بلا حكمة، وتديّن بلا أصول – كامنةً تتفاقم، فتنتج التكفير، والكراهية الطائفية، ورفض العمق الفكري والروحي. ومن ثمّ، فإن مهمّتنا هي التشخيص والمعالجة بصبر، مع إبقاء النظر ممتداً إلى الأفق البعيد.

وخلاصة القول: إنّ كلاً من الإحياء العظيم والفشل العظيم حقيقتان قائمتان، تتصارعان إلى النهاية. غير أنّ الحركات الإحيائيّة – سواء كانت حركات شعبية، أو مدارس دينية، أو جامعات، أو طرقاً صوفية – في حاجةٍ ماسّة إلى إعادة توجيه وفق رؤيةٍ أُمّتية، رؤيةٍ تبني ولا تكتفي بردّ الفعل، وتسعى إلى إعادة توحيد الأمّة بوصفها كياناً أخلاقياً وسياسياً واحداً مترابطاً.

 

المنهج الأُمّتي

إذا كنّا نعيش في عصر المعلومات، فإنّ المنهج الأُمّتي ينبغي أنْ يبدأ بمواجهة تحدّي المعلومات ذاته – سرعتها، واتّساعها، وتفتّتها، وقدرتها على تشكيل العقول والوقائع.

وإذا كنّا نعيش في عصر الأنثروبوسين – وهو عصرٌ يتّسم بتأثيرٍ إنساني غير مسبوق في مناخ الأرض ونُظُمها البيئية وعمرانها – فإنَّ المنهج الأُمّتي لا بدَّ أنْ يتعامل مع قدرة الإنسان على الهندسة والتغيير والتدمير والتحكّم والبناء.

كان الإنسان في الماضي يعيش ضمن حدوده لأنّ الموارد كانت شحيحة والاقتصاد ضرورة، أما في عصر الأنثروبوسين، فعلينا أن نتعلّم العيش بالزهد والتواضع اختياراً لا اضطراراً. وإذا كانت المجتمعات السابقة تعيش في خوفٍ من المرض والطبيعة، فإنّ كثيراً من الناس اليوم – بعد أن أحكموا السيطرة على جانبٍ كبيرٍ من ذلك – صاروا يعبدون ذواتهم، أو أصحاب الثروات الضخمة، أو آلات العنف المنظَّم. فمن يُنقذنا من أنفسنا؟ إنّ ذلك يتطلّب، ببساطة، دافعاً يتجاوز حدود الإنسان – ولا يتحقّق ذلك إلا بتهذيبٍ للنفس  يهبه الله سبحانه وتعالى.

ولنأخذ مثالاً على الإرادة الحضارية الإسلامية: مسألة الخمر. فحبّ الخمر يكاد يكون ظاهرةً عالمية – من الأيرلنديين والروس إلى العرب والأوروبيين – وأضراره معلومةٌ للجميع. ومع ذلك، لم تنجح أي حضارة في التاريخ في حظره وترسيخ ثقافة الامتناع عنه إلا الإسلام، وهذا شاهدٌ قوي على القدرة الفريدة للإسلام على مواجهة التحدّيات التي يفرضها عصر الأنثروبوسين.

وينطبق المبدأ نفسه في المجال السياسي: ففي الماضي، كان الطغاة مقيّدين بحدود إمكاناتهم، أمّا الدول الحديثة فقد وسّعت قدراتها في المراقبة والدعاية والتلاعب والقمع العنيف توسّعاً هائلاً. ومع ذلك، لا يزال كثيرٌ من العلماء – بحسن نية – يتعاملون مع هذه الأنظمة بأساليب تقليدية: نصحٍ سرّي أو إنكارٍ علني، بدلاً من الاستثمار في بناء مؤسّساتٍ قوية مستقلّة، فإنشاء مثل هذه المؤسّسات هو المهمة الأُمّتية الملحّة في زماننا.

وهذا يقتضي منا إعادة النظر في التراث الإسلامي بجرأةٍ وحذر: أنْ نعبر من خلاله لا أن نتجاوزه تجاهلا، وأن نفكّر به لا أن نبقى حبيسيه؛ وأنْ نحافظ على روحه مع إدراك أنّ الوفاء له قد يقتضي اليوم أنماطاً من التفكير والتركيب لم يسبق لها نظير. علينا أن نتعامل مع الماضي بوصفه مصدر إلهام، لا سقف يحدالإمكان – أساساً يُبنى عليه، لا قيداً يقيّد ما يمكن تحقيقه.

وأخيراً، إذا كان هذا عصر العولمة، فإنّ منهجنا يجب أن يعكس عالميّة الأمّة. فلم يسبق في تاريخ الإسلام أن تفرّق المسلمون في أنحاء العالم بهذا الاتّساع. ومن ثمّ، ينبغي للمنهج الأُمّتي أنْ يحوّل هذا التشتّت من موطن ضعف إلى مصدر قوّة، بوصفه فرصةً مواتية لربط الأمّة عبر جغرافيّات متفرّقة، والتواصل – في الوقت ذاته – مع العالم من حولها بوضوحٍ أخلاقي وتفاعلٍ خلّاق.

وخلاصة القول: إنّ ظروف عصرنا – ثورة المعلومات، وعصر الأنثروبوسين، والتشتّت العالمي – تفرض إعادة تعريف منهج الإحياء. فلا بدّ أنْ ينهض لمواجهة مسؤولياتٍ جديدة، واغتنام فرصٍ جديدة، واستنهاض قدراتٍ جديدة. وأنْ يفعل ذلك لا بمعارضة تراثنا، بل بالاستفادة منه.

وأوّل أصول الأُمّتيّة هو قوله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.4

ومن هذا نستمدّ يقيننا الراسخ بأنّ السعي إلى توحيد الأمّة وإعادة اندماجها – بما يتضمّنه من مساراتٍ متعدّدة – هو جزءٌ لا ينفصل عن الاعتصام بحبل الله، فلا يتحقّق أحدهما دون الآخر. فنهضة الإسلام ووحدة المسلمين وجهان لعملةٍ واحدة، وقد عبّرتُ عن ذلك في موضعٍ آخر بمفهوم «استثنائيّة الأُمّة» وإمكانية «الخزي في الدنيا والآخرة».

ومن هنا ننتقل إلى الأركان الخمسة للمنهج الأُمّتي.

 

1- التربية–التعارف

تنمية وتعبئة الكفاءات الأُمّتية العالمية

يبدأ المنهج الأُمّتي بتحديد «المسلمين المُمكَّنين عالمياً» وتعبئتهم، فقد أفرزت موجات الإحياء خلال القرن والنصف الماضيين رصيداً بشريّاً غير مسبوق في الأمّة: علماء، وروّاد أعمال، وناشطون، وصنّاع سياسات، وأصحاب رؤى، بل وحتى «مؤثّرون». وتسعى مؤسّسة أُمّتِكس إلى ربط هؤلاء وتمكينهم عبر الحدود، لا من أجل نجاحات فرديّة فحسب، بل من أجل فعلٍ منسّقٍ هادف في خدمة الأمّة.

ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بمهمّة اكتشاف هذه الكفاءات وتنميتها وتعبئتها مشروعُ الاندماج الخطابي للأمّة: أي بناء وحدةٍ أعمق على المستوى الفكري والمعلوماتي عبر التنوّع الواسع في العالم الإسلامي، ويعني ذلك استحضار أنّ الأمر الإلهي بـ«التعارف» يشير إلى وظيفةٍ عميقة، مُغْنِية، ومحوِّلة.

نعيش اليوم في عصر تدفّقاتٍ معلوماتيّة هائلة، ومع ذلك يظلّ المسلمون في مناطق مختلفة على جهلٍ بما يُنتَج في غيرها من معارف – دينيّة أو أكاديميّة أو تاريخيّة أو استراتيجيّة – تُسهم في تشكيل الوعي. وهذا التفاوت يولّد جهلاً، يُفضي بدوره إلى انعدام الثقة، والاغتراب، بل وحتى النزعات الطائفية. ويأتي الاندماج الخطابي استجابةً لهذا التحدّي الحضاري، من خلال تعزيز الوعي المتبادل بين هذه الكفاءات بما لدينا من موارد مشتركة وتحدّيات متقاسمة؛ من تراثنا الديني، وإرثنا العلمي، وتجاربنا المعيشة، وتطلّعاتنا. ومن خلال هذا التعارف المتبادل وحده يمكن أنْ تتكوّن الثقة، ويتعزّز التعاون، وتتوحّد الغاية.

 

2- الواقعيّة–الوسطيّة

الاستفادة النقدية من الموارد القائمة

إذا كنّا نعيش حقّاً عصر الإحياءات – تلك التي حرّكت القلوب، وبنت المؤسسات، وأحيت الإيمان في أرجاء الأمّة، لكنها كثيراً ما قصّرت في معالجة التحدّيات السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة العميقة – فإنّ المنهج الأُمّتي يقتضي أنْ نبني على هذه الجهود لا أنْ نُقصيها. فالمطلوب هو تحويل ميراث الإحياء إلى رصيدٍ معرفي حيّ: جمعُ رؤاه، ونقدُ مواطن قصوره، واستخلاصُ عناصر قوّته، ثم إعادة تقديمه للأمّة في صورة إرشادٍ استراتيجي. وبهذا المعنى، تغدو مؤسّسة أُمّتِكس بمثابة عقلٍ جماعي للأمّة – لا لتحلّ محل المشاريع القائمة، بل لتجديدها، وإغنائها، وتوجيه طاقاتها نحو أعلى مقاصد الرؤية الإسلامية والغاية الحضارية.

وهذه الاعتبارات – إلى جانب ما بين أيدينا من ثرواتٍ معرفية، وتنوّعٍ واسع في جهود الإحياء، وغياب توجّهٍ استراتيجي موحَّد – تجعل من مركز الأبحاث الصيغة المؤسّسية الأنسب لمهمّتنا.

 

3- العلم–العمل

القرب من ميادين الفعل

يُصرّ المنهج الأُمّتي على أنْ نظلّ قريبين من أرض الواقع، منخرطين في ميادين الفعل حيث تجري الحياة اليوميّة، وحيث تختبر النظريّة نفسها في مواجهة الواقع، اقتداءً بسلفنا الذين نسعى إلى التمثّل بهم، ونقاوم بذلك إغراء التنظير المنعزل في أبراجٍ عاجيّة، البعيد عن معاناة المجتمعات المسلمة وآمالها وتجاربها. ولهذا، فإنّ من التزاماتنا الأساسيّة تمكين العمل والتعلّم منه في آنٍ واحد؛ اختبار الأفكار على أرض الواقع، وتحسينها، وتطويرها باستمرار.

ونحن نؤمن بأنّ النظريّة الجيّدة هي أكثر ما يكون نفعاً من الناحية العمليّة، ومع ذلك فإنّ الممارسة كثيراً ما تتجاوز النظريّة. ومن ثمّ، فلا بدّ أنْ يبقى بينهما حوارٌ دائم. ومن هذا المنطلق نتعامل مع المشاريع الموازية – مثل القمّة المرتقبة للكفاءات الأُمّتية العالمية في الدوحة – بوصفها ميادين نتعلّم منها كما نُسهم فيها.

 

4- التنوّع–إدارة الاختلاف

استيعاب تعدّد المقاربات وإدارة الفروق العميقة

لا يفرض المنهج الأُمّتي صيغةً جامدة أو خريطةً موحّدة للتغيير على مستوى الأمّة كلها، فنحن ندرك حجم التنوّع الكبير – جغرافياً وثقافياً وسياسياً وتاريخياً – الذي يميّز الأمّة اليوم. فالتغيير في ماليزيا لن يكون على صورة التغيير في المغرب، وما ينجح في نيجيريا قد لا يصلح في إندونيسيا. ومن ثمّ، ينبغي مقاومة الجمود الأيديولوجي، واعتماد تعدّديّةٍ استراتيجية في الوسائل، تراعي خصوصيّات السياق. وتتمثّل مهمّتنا في جمع المعرفة، وتقييم التجارب، وصقل النظريّة على نحوٍ مستمر.

وقد ينشأ التغيير – في بعض الحالات – من أعلى إلى أسفل، عبر إعادة تشكيل النخب أو تحوّلاتٍ مؤسّسية. وفي حالاتٍ أخرى، قد ينبثق من القاعدة، من خلال الحركات الشعبية، أو التجديد التعليمي، أو الإصلاحات المجتمعية. وقد يتّخذ التغيير شكل الأثر الجِواري (neighborhood effect)، كما حدث في انتشار ثورات ٢٠١١، أو يظهر في صورٍ متعدّدة أخرى.

ونحن نقرّ كذلك بالتنوّع العميق داخل الأمّة – في المعتقدات، والتيّارات، والثقافات، واللّغات، والمدارس الفقهيّة. وهذه الاختلافات، وإن كانت طبيعية، كثيراً ما تُستَخدم لإثارة الفرقة والانقسام. ومن هنا، فإنّ أحد التزاماتنا الأساسيّة هو تطوير خطابٍ يُعنى بإدارة الاختلافات العميقة، ونعدّ ذلك علماً ضروريّاً ينبغي تدريسه في المعاهد والمدارس والجامعات. إذ لا بدّ أنْ يتعلّم المسلمون التعامل مع الاختلافات التاريخية والعقدية بوعيٍ ودقّة – لا بإنكارها أو تزيينها، بل باكتساب المهارات التي تمكّن من إدارتها بحكمة، مع السعي إلى الفهم والوحدة والهداية.

 

5- المصابرة–المرابطة

الاستعداد للفتوح

أما عن سؤال: كيف نسعى إلى إحداث التحوّلات الكبرى التي نتصوّرها؟ فإنّ جوابنا نستلهمه من السيرة: نتهيّأ بصبر – كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مكّة – منتظرين الفتوح الإلهيّة، كما كانت المدينة. وتُسمّي نظريات الحركات الاجتماعية هذه اللّحظات «الفرص السياسية»؛ وهي شقوقٌ في تحالفات النُّخب تظهر أكثر مما نتصوّر. فمن ثورات العالم العربي، إلى التحوّلات المهمّة الأخيرة في بنغلاديش وسوريا، إلى صمود غزّة، إلى إعادة تشكّل موازين القوى العالمية – كلّها لحظات انفتاح وإمكان.

المنهج الأُمّتي غير خطّي بطبيعته؛ فهو يتوقّع دوراتٍ من التقدّم والتراجع، والانهيار والتجدّد. ويُعِدّنا للحظات غير متوقّعة تنبثق فيها إمكانات جديدة. وعلى سبيل المثال، سنكتشف في أوراقٍ قادمة حول استشراف المستقبل – عبر العلوم الاجتماعية، ومن خلال سرديّاتٍ أُمّتية تخيّلية – مساراتٍ متعدّدة للمُضي قدماً. وغايتنا إعادة تشكيل قائمة الخيارات أمام صُنّاع القرار، مع تمكين الكفاءات الأُمّتية العالمية من بناء شبكاتٍ للتكامل الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي.

إنّ المنهج الأُمّتي لا يقوم على التنبّؤ بالثورات، بل على الاستعداد لها. فإذا فُتِحت الأبواب – بإذن الله – كنّا هناك: بمنهجٍ حيّ، وجبهةٍ موحّدة، وأمةٍ مستعدّة.

 

*          *          *

 

الاقتباس المقترحة:

عويمر أنجم، «المنهج الأُمّتي»، ترجمة أنس خضر، أُمّتِكس، ١٨ مايو ٢٠٢٦،
http://ummatics.org/the-ummatic-method

هوامش

  1. يوسف: ١٠٨.
  2. البقرة: ٢٨٦.
  3. الزخرف: ٥٤.
  4. آل عمران: ١٠٣.

اكتشف المزيد

هل لا يزال الإسلاميون إسلاميين؟

May 12, 2026
سُمَيّة سكاريا

المؤتمر السنوي ٢٠٢٦ | الأمّة الاستراتيجية: إدارة الاختلاف، والتفكير ما بعد العلمانية، وبناء الأثر المستقبلي

May 1, 2026
مؤسسة أمّتكس

حماية المستضعَفين: إخفاقات النظام الليبرالي وآفاق خلق مخيال عالمي أمّتي

April 29, 2026
حفصة كنجوال

يبحث

Search

التنقل

ملتقيات أمّتكس
مجالات الاهتمام
أوراق بحثية
الاصدارات
عن أمّتكس
Search