يستحق مقال «من يريد الخلافة»، المنشور عام ٢٠١٩، للبروفيسور عويمر أنجُم قراءة متأنّية وتعاطيّا جادّاً. فبعد تقديمه لمحة شاملة عن القضايا الدينية والسياسية والتاريخية المتشابكة، يتحّدى أنجم القرّاء في إعادة تصوّر الخلافة المستقبليّة، ويعرض افتراضاتها التصوّرية بالإضافة إلى ملامح آليات الحكم التشغيلية لهذا الهدف الطموح. يُلاحظ الدكتور أنجُم أنَّ «مهمّة تحديد مثل هذه الرؤية تتطلب جيلًا من الفقهاء المسلمين، وعلماء الدين والسياسة، وروّاد الأعمال، والقادة ذوي الرؤية»، ويجادل قائلًا:

يجب علينا نحن المسلمين، حسب رأيي، إعادة تصوّر الخلافة على إنها اتحاد كونفدرالي للحكومات في قلب المناطق الأساسية للإسلام، والتي تحمي مجموعة من حقوق الإنسان للجميع، وتوفّر الاستقرار السياسي والاقتصادي لهذه المناطق. وفي الوقت نفسه تسمح للمسلمين بتطوير مجموعة متنوّعة من السياسات المحلية مع تبنّي الوحدة الدينية والثقافية الأكبر لهذه المناطق. مثل هذا الأمر لن يكون متوافقاً مع الأمر الإلهي فحسب، بل سيكون أيضاً البديل الوحيد طويل المدى لمجموعة الطغاة والإرهابيين والتي يعزّز بعضها بعضاً».1

ويواصل أنجم تذكيرنا أنه بالرغم من التحدّيات الهائلة التي نواجهها، فإننا نعيش أيضًا في زمنٍ مليءٍ بالفرص العظيمة التي تستدعي الأحلام الكبيرة، والتفكير عالميًا مع العمل محليًا، وتطوير خطاباتٍ وممارساتٍ جديدةٍ ضمن إطارٍ يأخذ المستقبل الجماعي للأمة الإسلامية العالمية على محمل الجد. ورغم التناقض الظاهر، أبدأ في هذا المقال القصير بالهدف النهائي المتمثّل بالخلافة كنقطة انطلاق، والتي أقترح أنَّها قد تستفيد من تطبيق بعض التقنيات المستمدّة من حقل الدراسات المستقبلية (Future Studies). إنها تتبنّى منظورًا ثنائياً، يتعامل مع المهمّة بعينٍ على الهدف البعيد بينما يركّز في الوقت نفسه على ما هو أمامنا مباشرة. ومن خلال ذلك، أقدّم بعض الأفكار الأوّلية لتحفيز النقاش وتشجيع المزيد من العمل.

 

المتطلبات الأساسيّة والقيود المحتملة

يبدو أنَّ هدف إقناع المجتمع المسلم العالمي المتنوّع، الذي يقارب عدد أفراده ملياري شخص، بالعمل نحو تشكيل حكومة موحّدة، هو مهمّة مستحيلة. ومع ذلك، فإنَّ التاريخ مليءٌ بالأمثلة لما بدا مستحيلاً وأصبح ممكناً وتحقّق بالفعل. لكن من أين نبدأ؟ إنَّ وضع طرقٍ للمضيّ قدماً يتطلّب نهجاً عميقاً وشاملاً وواقعياً يركّز على الحلول ويتطلّع نحو المستقبل. ويجب أن تكون هذه الطرق متعدّدة الطبقات ومتكاملةً لتحفيز تحوّل الأنظمة على المستويات الكبرى والمتوسّطة والصغرى، وأنْ يحدث هذا التحوّل أيضاً على المستوى الشخصي الذي يغيّر الذات الفرديّة، وتتحقّق به السنَّة الشرعية التي تشترط التغيير الداخلي لتغيير الأحوال في الخارج، حيث لا يمكننا فصل التغيّرات الخارجية التي نسعى إليها عن التغيّرات الداخلية التي يجب أن نقوم بها بأنفسنا. تتطلّب الجوانب الفكرية لهذه العملية سعة أفق، والقدرة على النقد الذاتي والتأمّل، وأن نتخلّص من العادات الذهنية السلبية وأنماط السلوك المعوّقة متى ما كان ذلك ضرورياً.

رسم البروفيسور أنجم الإطار الأخلاقيّ للخلافة المستقبلية، والذي يتجنّب الاعتماد على نظريّات تاريخية، إلا أنَّ الفكرة تثير العديد من الأسئلة الواضحة. لو تمكنّا من السفر عبر الزمن إلى هذا المستقبل، كيف سيبدو هذا النظام السياسي العابر للحدود في الواقع؟ ما هي الحوافز السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تدفع أكثر من خمسين دولةٍ مستقلةٍ من المغرب إلى ماليزيا لترك التسويات الإقليمية ما بعد الاستعمارية في القرن العشرين؟ كيف سيتم التوفيق بين الاتجاهات اللاهوتية المختلفة والمصالح العرقية والثقافية المتباينة؟ كيف سيتم اختيار قائد لهذا الكيان؟ ما هي التدابير التي ستؤمّن حقوق الأقلّيات غير المسلمة؟ ما هي الضوابط والتوازنات التي ستمنع هذا الكيان من الوقوع في الاستبداد أو الفوضى بأيّ شكل من الأشكال؟ وكيف سيتعامل مع التدخّلات المتوقّعة من القوى الكبرى؟

من المؤكّد أن حثّ أكثر من ٥٠ دولةٍ مسلمةٍ على تشكيل تعاونٍ اقتصادي وسياسي وثقافي مشترك أمرٌ أسهل في القول من الفعل. فباستثناء منظّمة التعاون الإسلامي (OIC) وبعض الاتّفاقيات الاستراتيجية الإقليمية مثل منظمة أوبك، والاتّحاد الأفريقي، واتّحاد المغرب العربي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، لا توجد حالياً محاولات ذات مغزى لتحقيق هذا الهدف. كما نعلم، فإنَّ العديد من العوائق والمصالح الخاصّة للدّول تشكّل عائقاً في طريق الأمل في الوحدة الأمتيّة العابرة للحدود، ويعدّ التغلّب على هذه التحدّيات الهيكلية من أصعب العوائق بالنظر إلى المستويات العميقة من الاستبداد، والفساد، وسوء الحكم في العديد من الأنظمة المسلمة. وإذا تُركت هذه العقبات دون رادع، فإنَّ الاتّجاهات الاجتماعية والسياسية المدمّرة التي تزيد من تفاقمها عوامل عدم المساواة الاجتماعية، والبطالة، والفقر، والأوبئة، وعدم الاستقرار السياسي، والحروب، والطائفية، والاستهلاكية، والاستعمار الجديد والأزمة البيئية، ستعزّز هذه الاتجاهات التدهور الحالي وقد تؤدّي إلى مستقبلٍ لا يريده أحدٌ منّا.

 

الاحتمالات المستقبلية والخيارات المفضّلة

تناول طيفٌ من المفكّرين من أواخر القرن التاسع عشر وعبر القرن العشرين تفكّك الحضارة الإسلامية وكيفية استعادة الوحدة الأمتيّة بجوهرها. فقد قدّم العديد من العلماء مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ومحمد إقبال، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن علي الندوي، ومالك بن نبي، وعلي عزّت بيغوفيتش، وغيرهم العديد من المحاولات لفهم الآثار المدمّرة للاستعمار، والحداثة، والعلمانية، والقومية، وجمود الفكر في العالم الإسلامي، وعرضوا طرقاً متعدّدة للمضيّ قدمًا في هذا المسار. لقد بذلوا ما في وسعهم لمواجهة نوازل عصرهم وظروفهم وألهموا حركات إحياء إسلامية حقّقت درجاتٍ مختلفةً من النجاح في مجتمعاتها وتركوا لنا إرثاً غنياً ينبغي أن نتأمّله.

ورث عدد من المفكّرين والفلاسفة والمثقّفين المعاصرين هذا الحمل، وبنوا على عمل هؤلاء السابقين وحاولوا تقييم حالة الأمّة الحالية وتقديم آرائهم. ومع ذلك، يبدو أنَّ القليل منهم كان لهم تأثير خارج الأوساط الأكاديمية أو بين مريدهم المتجرّدين، وكان تأثيرهم محدوداً ولم يصل لعامّة المسلمين. من بين المحاولات الحديثة المثيرة للاهتمام، لتقديم تحليلٍ شاملٍ للأمّة، نجد كتاب «حضارة المسلمين: أسباب الانحدار والحاجة إلى الإصلاح» (Muslim Civilization: The Causes of Decline and the Need for Reform) لمحمّد عمر شبره، وكتاب «أزمة الحضارة الإسلامية»(The Crisis of Islamic Civilization)  لعلي علوي، وكتاب «التحوّل الحضاري والعالم المسلم» (Civilizational Transformation and the Muslim World) لأحمد داوود أوغلو. ومع الأسف، لا يخصّص العديد من العلماء والنشطاء وقتاً كافياً للتصوّر الجادّ لما يمكن أن يبدو عليه المستقبل الأفضل وكيفيّة تشكيله. ويُعتبر ضياء الدين سردار من المسلمين القلائل الذين فكّروا بشكلٍ منهجيٍّ في هذه المسائل من خلال كتبه مستقبل الحضارة الإسلامية» (The Future of Muslim Civilization) و «مستقبل الإسلام: شكل الأفكار القادمة» (Islamic Futures: The Shape of Ideas to Come). من وجهة نظري، يمكن أن يستفيد التفكير الأمَّتي من تطبيق بعض الأدوات والتقنيات المستفادة من دراسات المستقبل (Future Studies).

يمكن لتطبيق نماذج التحليل من الدراسات المستقبلية أن يساعد في التنبّؤ بالسيناريوهات المستقبلية المحتملة من خلال فحصٍ منهجيٍّ وشاملٍ ومتعدّد التخصّصات للاتّجاهات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية والبيئية والثقافية باستخدام أدواتٍ مثل استكشاف الآفاق (Horizon Scanning)، وبناء الرؤية، وتخطيط السيناريوهات، والتخطيط العكسي (Backcasting). سيكون لتخطيط السيناريوهات فائدةٌ في رسم خارطةٍ استباقيةٍ للاتّجاهات المختلفة التي تجري في المجتمعات الإسلامية. وباستخدام هذه الطريقة، من الممكن التنبّؤ بالسيناريوهات المختلفة الممكنة وتخيُّل السيناريوهات المستقبلية المتفائلة، أو الواقعية، أو أسوأ السيناريوهات الممكنة، أو السيناريوهات الطارئة. وبالطبع، يجب أن يعتمد هذا على أفضل البيانات المتاحة ويجب دمج الدراسات بشكل منهجيّ بحيث يمكن للخبراء في المجالات ذات الصلة تقديم تحليلٍ عميقٍ لثقافاتهم الاجتماعية-السياسية، والاتفاقيات الثنائية والمتعدّدة الأطراف، والوضع التاريخي والحالي. تعمل أداة التخطيط العكسي من خلال تشجيع الأفراد على تخيّل المستقبل المفضّل لهم، وتحفيزهم على الانتقال من عملية التصوّر الأوّلية للعمل معاً إلى التفكير في المراحل والخطوات المختلفة التي يجب اتخاذها لتحقيق الهدف المفضّل.

 

العودة إلى الخلافة المستقبلية

من المتوقّع أن يصل عدد المسلمين في العالم إلى حوالي ٢.٢ مليار بحلول عام ٢٠٣٠، مع حوالي ٢٨٪ منهم تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٢٩ عاماً. وبالنّظر إلى هذا التركيب السكّاني الشاب، فمن المرجّح أن يكونوا أكثر انفتاحًا على التخطيط للمستقبل، حيث إنّ العديد منهم منخرطون بالفعل في حركاتٍ اجتماعيةٍ تعمل من أجل حقوق الإنسان، وبناء السلام، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية. إنَّ هذا الجيل من الصحفيين الناشطين، وروّاد الأعمال، والمؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي، والمروّجين السياسيين الذين نشأوا أثناء الربيع العربي، هم الأكثر قدرةً على تغيير المجتمعات للأفضل.

تتمتّع الطبقة المتوسّطة المتنامية والمستقرّة اقتصادياً، والمكوَّنة من مسلمي جيل الألفيّة المنخرطينفي شبكاتٍ عالميّةٍ، تتمتع بقدرةٍ على التفكير بطريقةٍ أمتيّة، وتسهيل نقل المعرفة، وتعزيز العلاقات التجارية بين المسلمين. كما أنَّهم الأكثر قدرةً على تمويل المنظّمات غير الحكومية التي تقدّم خدمات التعليم وتطوير المهارات وتنمية المجتمعات الأقلّ حظاً. يمكن أن يُترجِم مثل هذا الحراك الشبابي الشبكي الأمل إلى عمل، لكنَّه لا يجب أن يقتصر على القضايا التي تؤثّر على المسلمين فقط. حيث لا يمكننا فصل الحالة الإسلامية عن الأزمات الكوكبية الأوسع، ويجب أن نسعى لتقديم حلولٍ من أجل رفاهية الإنسانية كلّها.

يجب على المسلمين الذين يسعون لإعادة تأسيس نمط حكمٍ إسلاميٍّ شاملٍ أن يُجروا المزيد من المشاورات، ويعزِّزوا التوافق فيما بينهم، ويتعاونوا على المستويات الفكرية والاجتماعية والثقافية والفنِّية، بين بعضهم البعض وبين الأجيال المتنوّعة. ولزيادة الوعي الأمَّتي، يجب أن تكون أفكارنا قادرةً على التفاعل والارتباط بالناس من جميع الخلفيّات، وإلّا فإنَّنا نخاطر بأن نصبح مشروعاً فكرياً نخبوياً آخر. هناك إمكانياتٌ كبيرةٌ للتعاون الإيجابي بين الشبكات المتوافقة فكرياً، سواءٌ في العالم الافتراضي أو في أرض الواقع. يمكن تحقيق ذلك من خلال تعزيز البنى التحتية التعاونية عبر الإنترنت/الواقع، واستخدام الأدوات مفتوحة المصدر. إنَّ تعزيز الأشكال الحالية من الأخوَّة الإسلامية وبناء أشكالٍ جديدة من الترابط يزيد من احتمال أن تصبح أيُّ خلافةٍ مستقبليةٍ احتمالاً حقيقياً.

 

*          *          *

 

الاقتباس المقترحة:

صادق حامد، «الخيال ومستقبل الأمّة»، ترجمة أنس خضر، أمّتكس، ۲۱ ديسمبر ٢٠٢٥،  https://ar.ummatics.org/future-ummatic-nation

 

هوامش

  1. عويمر أنجم، «من يريد الخلافة؟»، ترجمة إياد هلال، أمّتكس، ١٠ أبريل ٢٠٢٣، https://ar.ummatics.org/who-wants-the-caliphate

اكتشف المزيد

هل التراجع عن العولمة أمرٌ واقع؟ وماذا يمكننا أن نفعل حياله؟

ديسمبر 4, 2025
د. عويمر أنجم

التشكيك في الخلافة

نوفمبر 25, 2025
د. عثمان بدر

قلب الموازين لصالحنا – الأمتيّة وحاجة المسلمين للتفاعل النقدي

أكتوبر 31, 2025
جوزيف كامينسكي

يبحث

يبحث

التنقل

ملتقيات أمّتكس
مجالات الاهتمام
أوراق بحثية
الاصدارات
عن أمّتكس
يبحث