في عام ٢٠٠٩، أشارت صحيفة ذي إيكونوميست(The Economist)  إلى أنه، خلافًا للاعتقاد السائد الذي يفترض أن العولمة (globalization) لا عودة عنها، فإن «التكامل الاقتصادي العالمي في تراجع على كل المستويات تقريبًا».1

هل يوشك عالمنا على دخول مرحلة التراجع عن العولمة (deglobalization) بعد عقود من التجربة العولمية، وهل ينبغي أن نرحب بهذا التغيّر؟ وبما أن العولمة قد ساهمت في انتشار الثقافة والمعرفة الغربية الليبرالية والاستهلاكية في أنحاء العالم، فهل يمكن أن يخلق التراجع عنها مساحة حقيقية للتجديد، ويستعيد حِكَم الحضارات القديمة، ويمكّننا من معالجة مشاكل العدمية الروحية، وعدم المساواة، والظلم، والدمار البيئي؟ أم سيكون مجرد تغيّر شكلي يجمع بين أسوأ مظاهر المتع المادية الحديثة وصور القمع التقليدية؟ وإذا كان في صعود الرأسمالية الأوتوقراطية والقومية الإثنية في العالم المعاصر وترسّخ هذه المنظومات أي دلالة نستقرؤها، فإنّ ما خلفته عملية التراجع عن العولمة لا يبشّر بخير. فهل التراجع عن العولمة أمر محمود، أو مذموم، أم هو مجرد أمر حتمي؟ وما الذي يمكن فعله حياله؟ إن التكيُّف مع النظام العالمي الجديد قد يكون مسألة حياة أو موت للعديد من الشعوب، وأنماط الحياة، والثقافات، والأفكار، والمؤسّسات. ستستلزم إجابة هذا السؤال الاشتباك مع عدة ميادين معرفية، بما في ذلك التاريخ والاجتماع والعلوم السياسية والفلسفة السياسية والاقتصاد، وقبل كل شيء، تجديد البحث العلمي لدى المسلمين.

لا يمكن استشراف المستقبل دون دراية ومعرفة بالماضي. بعد ما يقرب من نصف قرن من العاصفة العاتية للعولمة التي أخذت الأمة الإسلامية على حين غفلة ودون استعداد، بدأت اتجاهات الرياح تتغير. إذ انقسمت البلاد الإسلامية إلى دويلات صغيرة رسم حدودها المستعمرون لتسهيل السيطرة عليها واستغلالها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لتصبح المنطقة مختبراً للأيديولوجيات القومية العلمانية المختلفة ومسرحًا للحروب بالوكالة بين القوى الكبرى على مدى ربع القرن التالي.

ورغم الجهود المبكّرة الملحوظة لقادة الدول الناشئة، مثل منظمة التعاون الإسلامي (تأسست سنة ۱۹٦۹م)، إلا أن العالم الإسلامي، بدون مركز قوي، أو قيادة موحدة، أو رؤية مشتركة، وجد نفسه كسفينة بلا قبطان بينما تراجعت سياسات الحرب الباردة لتحل محلها سياسات النيوليبرالية. ولعلنا نشهد اليوم نهاية العالم أحادي القطب، الذي عُرف منذ تسعينات القرن الماضي بالعولمة، تاركة العالم بمجموعة مختلفة من الرابحين والخاسرين خلافاً لما كان عليه سابقًا. فإلى جانب الشركات المتعدّدة الجنسيات والنخب الاقتصادية والسياسية في عالم الشمال، فإن من «الرابحين» أيضًا بعض النخب وشرائح من الطبقة الوسطى في دولٍ  وقعت في مستنقع الفقر في فترة ما بعد الاستعمار، مثل الصين والهند، حيث رافق التحديث الاقتصادي فساد أخلاقي واجتماعي عميق. وقد مكّنت بعض السمات المشتركة هذه الدول من استغلال ثمار العولمة، مثل كونها اقتصادات كبيرة تمتلك مؤسسات سياسية مستقرة وقوية، وإن لم تكن بالضرورة عادلة أو صالحة.

ومع أنّ الدول الإسلامية في جملتها لم تحقّق نجاحًا يُذكر في هذا الصدد، فإن العولمة كانت، مع ذلك، نعمة خفيّة على شعوب المسلمين (وهذا هو حال المؤمن في أي ضراء تصيبه). فقد ربطت العولمة أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، وسمحت ببروز مجتمعات مسلمة كبيرة في دول عالم الشمال. كما أن وسائل الإعلام الوطنية الخاضعة للدولة بدأت تفسح المجال للأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي، مما ساعد على إدراك عميق للقيم المشتركة بين الشعوب المسلمة ومعاناتها، وكذلك تطوّر النقاشات والخطابات العالمية حول المسلمين.

مهّدت كذلك القوى الاقتصادية والسياسية التي حفّزت تغيّرات العولمة، الطريق لنشوء نظام عالمي متعدّد الأقطاب، ويبدو بشكل شبه مؤكّدأنّ هذا النظام سينقض العديد من أوجه العولمة الأساسية. فهل سيجلب هذا التغيّر الراحة والكرامة لأمة النبي صلى الله عليه وسلّم، أم أنه سيفقرها أكثر، وينقض المكاسب الضئيلة التي تحقّقت حتى الآن، ويزيد من مظاهر الظلم وعدم المساواة؟ من الحكمة أن يعي علماء الأمة والمفكّرون وعلماء الاجتماع التهديدات والفرص التي يقدّمها العصر القادم، لتقديم رؤى وخطط مستقبلية جماعية للأمة.

لنبدأ أولًا بالنظر في ظاهرة العولمة، والتحديات المتعلقة بتعريفها التي تنعكس أيضًا على صعوبة تعريف وكشف التراجع عن العولمة. تشير الأدبيات التمهيدية للعولمة إلى أنها ظاهرة تاريخية حدثت على مراحل متقطّعة متباينة. وقد كان للمرحلتين الأخيرتين من العولمة، وهما ما يُعرف بالقرن التاسع عشر الطويل الذي انتهى في ثلاثينيات القرن العشرين، والمرحلة الأكثر وضوحًا والتي بدأت في ثمانينيات القرن العشرين، آثار مدمّرة عميقة على كثير من مناطق العالم. فالمرحلة الأولى آذنت بالتمدّد الاستعماري لأوروبا الغربية، إن لم تكن قد اختُزلت فيها، بينما جسّدت المرحلة الثانية النظام العالمي الأمريكي في صورة الرأسمالية العالمية المرتكزة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ظلّ مفهوم العولمة محل جدل كبير، حتى في الوقت الذي اتفق فيه معظم الباحثين على أن العولمة عملية مستمرة؛ إذ يختلف العلماء على ما إذا كانت عملية واحدة أم تسمية لعدة عمليات، وكذلك على طبيعة هذه العمليات. وتتقارب مجموعة من التعريفات الأساسية للعولمة بوصفها تكثيفًا للعلاقات الاجتماعية العالمية والسوق العالمي، غالبًا على حساب إضعاف الروابط المحلية والوطنية.2 وقد صيغ مصطلح «العولمة» في ستينيات القرن العشرين، لكنه اجتاح العالم في تسعينيات القرن نفسه بعد سقوط جدار برلين.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ملأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي الفراغ الذي تركته الإمبراطوريتان الاستعماريتان البريطانية والفرنسية، فكانت الولايات المتحدة هي قطب الهيمنة الجديدة، والأمم المتحدة الذراع الدبلوماسي للسلام الأمريكي الجديد (Pax Americana)، والدولار الأمريكي المعيار الجديد للتبادل. وقد فُهمت الحرب الباردة على نطاق واسع باعتبارها صراعًا أيديولوجيًا بين نسختين من الحداثة: الحداثة الأطلسية (أو الحداثة المبكّرة للدول المتقدمة) التي رفعت راية الرأسمالية؛ والردّ فائق الحداثة على تلك الحداثة، الذي نشأ في القارة الأوروبية وظهر في صورة الاتحاد السوفيتي. وقد كانت الحرب الباردة عصرًا هيمن فيه الجانب السياسي على الاقتصادي.

توطّد شكل الدولة القومية في جميع أنحاء العالم أساسًا لأن الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية اعتبرت التخلّف والثورات الأيديولوجية التحدّيات الأبرز لهذا النظام، فأنشأت مؤسسات عالمية لدعم الدول في تنفيذ برامج التنمية. وقد اقترح جون مينارد كينز (John Maynard Keynes) هذا النموذج الاقتصادي لرأسمالية للدولة (المعروفة أيضًا بالتنموية) في أعقاب الكوارث التي سبّبتها مرحلة سابقة من الرأسمالية المطلقة التي أدت إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين. وقد أدى ردّ كبار رجال الأعمال على سياسات كينز في السبعينيات إلى الخطة الكبرى التي أطلقت مرحلة جديدة من العولمة، عندما شن أقوى اقتصادين في العالم في الثمانينيات (المملكة المتحدة في عهد تاتشر (Thatcher) والولايات المتحدة في عهد ريغان (Reagan)) حملة ضد دور الدولة في الاقتصاد.

وقد استلهم هذا النموذج الاقتصادي، المستوحى من الاقتصاد النيوكلاسيكي أو النيوليبرالي، المعروف أيضًا بإجماع واشنطن (Washington Consensus)، بيئة مثالية لاستثمارات رؤوس الأموال في بيئة تشمل إزالة القيود، وإلغاء الرسوم والخدمات العامة، والخصخصة، وفرض حقوق الملكية الصارمة. وقد بلغت هذه المرحلة أوجّها في تسعينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حتى الكساد الكبيربين عامي ۲۰۰۷ و۲۰۰۹.

وقد بدأ عصر متعدد الأقطاب جديد في الظهور ولو بشيءٍ من التباطؤ.3 في الديمقراطيات الليبرالية في عالم الشمال، تبنّت السياسات القومية المتطرفة برنامجًا مناهضًا للعولمة لأسباب اقتصادية وثقافية، وحقّقت انتصارات انتخابية بارزة من غير المرجح أن تُلغى آثارها. وقد تمخّضت تقاطعات حركات تفوّق العرق الأبيض، والقومية الاقتصادية، ومعاداة الهجرة، والإسلاموفوبيا عن موجة يمينية ضخمة تعادي العولمة، التي تجاوزت معاداة العولمة اليسارية التقليدية، والتي كانت تنتج نقدًا عميقًا اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا للظواهر التي أطلقتها العولمة.

تقف الدول الإسلامية، التي تكبّدت أضراراً عميقة بفعل العولمة، على حافة الانهيار السياسي. فمن جهة، أظهرت الأنظمة الاستبدادية في العالم الإسلامي تجاهلًا مطلقًا وغير مسبوق لمصالح شعوبها وللمسلمين عالميًا؛ ومن جهة أخرى، تواجه الأقليات المسلمة في أماكن أخرى اضطهادًا متزايدًا وغير مسبوق. وقد لخّصت الصحفية والباحثة الإسرائيلية الشهيرة إليزابيث تسوركوف (Elizabeth Tsurkov) ذلك ببراعة في تغريدة في يونيو ۲۰۲۰:

بعد ۲٥ عامًا على سريبرينيتسا، لم تكن حياة المسلمين أقل قيمة مما هي عليه الآن: »إبادة جماعية في الصين، تطهير عرقي في بورما، هجمات كيميائية متكرّرة وإبادة بالتعذيب في سوريا. خلال ۲٥ عامًا، ربما سننظر مرعوبين إلى هذا العصر… عصر الإفلات التام من العقاب».

ما أوصلنا إلى هذا الحال هو سرٌّ يعرفه الجميع.. فقد تم تمهيد المسرح خلال الحرب الباردة، عندما تعاملت القوى العظمى مع هذه الدول الناشئة كرقعة شطرنج جيوسياسية. ونتيجة لذلك، لم تكن الدول المسلمة مستعدة بشكل خاص للاندفاع العنيف للشركات العالمية الباحثة عن العمالة الرخيصة والأسواق الجديدة. ومع تدمير قطاع الأعمال المحلية، انتهت الأرباح الطائلة من النشاط التجاري العالمي إلى أيدي النخبة التي استشرى فيها الفساد والمقيّدة بمؤسسات وطنية ضعيفة أو تكاد تكون معدومة. وبينما كانت رؤوس الأموال الكبرى تبتلع السياسة في معظم الدول المتقدمة، فقد كان رأس المال العالمي في الدول النامية أكثر قدرة على تدمير أي مظهر من مظاهر تقرير المصير السياسي وغذّى نظامًا لا متناهيًا من رأسمالية المحاباة، مما فاقم أوجه عدم المساواة وأشعل جميع أنواع الصراعات القبلية القديمة والجديدة. وقد تضعضعت المهمة الأساسية للسياسة – سواء كانت ديمقراطية أم استبدادية – وهي إعادة توزيع الموارد وضبط القوى العالمية والمحلية، في كل مكان.

ومن بين الآثار غير المقصودة، لكنها محورية في تحويل العالم خلال هذه المرحلة من العولمة، والتي صادفت ظهور الإنترنت، كانت حركة العمالة والمعرفة، وقبل كل شيء، حركة الحساسيات والرغبات. فمع تنقّل الناس للعمل، استقرت الشركات العالمية في دول نامية لكنها مستقرة سياسيًا للاستفادة من العمالة الرخيصة؛ وقد ربط الإنترنت العالم ببعضه، واخترقت القنوات الفضائية البنى المجتمعية والعائلية بالأفكار الدينية والثقافية للرأسمالية الليبرالية الحديثة الاستهلاكية بصورتها المتأخّرة (وهي الثقافة الأكثر فردية ومعاداة للمجتمع على كوكب الأرض). وهكذا، بدا العالم وكأنه يتحول إلى قرية واحدة (وإن كانت قرية مُعرّفة بمعايير هوليوود).4

ومن الأمثلة الأخرى على النتائج غير المقصودة للعولمة ظاهرة قناة الجزيرة، التي أدى بروزها لنشأة العديد من القنوات المنافسة. فقد كانت هذه أول قناة إخبارية شبه مستقلة مقرها الإمارة الخليجية الصغيرة الغنية بالوقود الأحفوري، وقد استعانت بمذيعين سابقين من CNN وBBC لإحداث ثورة في نشرات الأخبار في العالم العربي، مقدمةً تغطية عالمية ومتوازنة نسبيًا من منظور ليبرالي وعولمي، مع توفير حيّز للحوار الحر والنقاش المفتوح، إلى جانب نقد الأنظمة الاستبدادية الإقليمية والصراعات الثقافية. ومن بين عوامل أخرى، فإن إمكانية النقد السياسي من قبل المواطنين والأصوات التي غالبًا ما يتم إسكاتها أعادت تشكيل الدور السياسي للأفراد العاديين. وقد أدّت مجموعة من هذه الاتجاهات العولمية، جنبًا إلى جنب مع أوجه عدم المساواة الخارجة عن السيطرة والإهانات المتراكمة لعقود بفعل النيوليبرالية،إلى اندلاع الانتفاضات العربية عام ۲۰۱۱. ولم يكن من المستغرب أن ينتج في أعقابها انقلابات مضادة استبدادية وقوية مدعومة من اليمين الأمريكي والإسرائيلي بنفس القدر من القوة.

 

نهاية الدولة القومية

بالعودة إلى المسرح العالمي، لنسأل كيف غيّرت العولمة العالم. يرى العديد من الباحثين أن العولمة أضرّت بالدولة القومية أو حوّلتها جذريًا، والدولة القومية هي النظام السياسي الذي يُعتقد تقليديًا أنه نشأ مع معاهدة وستفاليا (Westphalia Treaty) عام ۱٦٤۸. فقد مكّنت أوروبا من التقدم بعيدًا عن مراكز القوّة القديمة في العالم، وانتشرت في العالم غير الغربي عبر عملية الاستعمار وحركة مناهضة الاستعمار. ومن ثم، فإن تآكل الدولة القومية يُصنَّف على أنه تغيير على مستوى العصر أو الحقبة التاريخية ككل، لا مجرد اضطرابات وثورات عادية تحدث كل بضع سنوات أو عقود.

من بين العديد ممن يعتبرون صعود العولمة والعالمية والنيوليبرالية بمثابة نهاية الدولة القومية كما عرفناها، يقف الباحث الفرنسي (ورئيس بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام بين عامي۲۰۰۰-۲۰۰۸) جان-ماري غوينو (Jean-Marie Guehenno)، الذي تنبّا بعد سقوط جدار برلين مباشرة في كتاب صدر عام ۱۹۹۳ – نفس العام الذي تأسّس فيه الاتحاد الأوروبي – بأن شيئًا جوهريًا بدأ يتغيّر في الغرب: «يمثل عام ۱۹۸۹ نهاية عصر لم يبدأ في ۱۹٤٥ أو ۱۹۱۷، بل تم تأسيسه بفضل الثورة الفرنسية عام ۱۷۸۹. إنه ينهي عصر الدول القومية».5 وعلاوة على ذلك، رأى غوينو أنه لا يمكن أن تقوم الديمقراطية بدون أمة. تمامًا كما نجحت الإمبراطورية الرومانية حيث فشلت الجمهورية الرومانية، فإن عصرنا الجديد هو إمبراطورية يُصبح فيها المواطنون «أقل فأقل قدرة على تكوين كيان قادر على التعبير عن سيادة جماعية؛ فهم مجرد موضوعات قانونية، حاملين للحقوق وملتزمين بالواجبات، في فضاء مجرد أصبحت حدوده الإقليمية غامضة بشكل متزايد».6 كلماتُه، التي قد تُعتبر مثيرة للقلق في وقتها، تستحق النقل مطولًا:

لقد حدثت هذه الثورة في قوانين السلطة أولًا في عالم الأعمال: فنهاية الحرب الباردة تسمح الآن بتمددها إلى المجال السياسي؛ والعالم الصناعي بأسره، من واشنطن إلى طوكيو مرورًا ببروكسل، يكتشف أن قواعد السلطة تتغير. كنا نظن أنه يكفي استبدال القوميات بالأمم العظمى (supernations) كما تبتلع المؤسّسة الكبيرة مؤسّسة أصغر. بدأنا ندرك أن طبيعة السلطة تتغيّر بتغيّر حجمها.

رأى غوينو أن التنظيم السياسي الذي ورثناه من عصر التنوير ليس سوى حلقة في التاريخ البشري، ووسيلة أوجدناها في مرحلة معيّنة من تطورنا، لإرساء الحرية ضمن نظام سياسي. هذا التعريف للحرية لن يصمد أمام الظروف الخاصة التي أحاطت بميلاد وازدهار الدول القومية. لذا يجب علينا فهم قواعد هذا العصر الجديد، ليس لمحاربته – فذلك سيكون جهدًا ضائعًا – بل لإنقاذ ما يمكن ويجب أن يكون مفهوم الحرية.7

ويرى غوينو أن القومية كانت فكرة أوروبية بحتة؛ فهي ليست مجموعة اجتماعية، ولا دينية، ولا عرقية أو إثنية؛ بل هي «نتاج مزيج فريد من العوامل التاريخية، ولا يمكن اختزالها في بُعد واحد … إنها تجمع الناس ليس لما هم عليه بل لذكرى ما كانوا عليه». وفي الواقع، «الأمة ليس لها تعريف سوى ذاك التاريخي». ومع ذلك، فهي ليست قبيلة؛ «الأمة، وفق التعريف الأوروبي للكلمة، هي أولًا وأخيرًا مكان؛ أي إقليم محدد بحدود دقيقة».8 ونظرًا لذلك، فلا عجب أن فكرة الأمة فكرة عابرة. ويكتب غوينو مخاطبًا الأوروبيين، رغم أن الملاحظة تنطبق أيضًا على العقول المستعمَرة في كل مكان: «نحن نتاج قالب أوروبي، معتادون على اعتبار الأمة شكلًا سياسيًا بديهيًا، نوعًا من الذروة الطبيعية لجميع المجتمعات. حان الوقت لإدراك أن فكرة الأمة التي قدّمتها أوروبا للعالم ربما تكون شكلًا عابرًا، استثناءً أوروبيًا، انتقالًا هشًا بين عصر الملكية والعصر النيوإمبريالي». ومن ثم، فإن العولمة – رغم أنه لم يستخدم الكلمة تحديدًا – من شأنها أن تهدّد فكرة التضامن المحلي، وهو الشرط الأساسي للسياسة والديمقراطية.

بعد أقل من ثلاثة عقود، وبعد طوفان من الرثاءات الأكاديمية لأفضل أيام الديمقراطية الأمريكية أو الديمقراطية نفسها، لم نزدد وعيًا بشأن التناقضات العميقة للعولمة. وما نحن متأكدون منه هو أن الجيل الجديد الذي نشأ في كل مكان – ونتيجة لخيبة أمله – نزع عن نفسه هذه الأوهام أكثر من أي جيل آخر. وتعززت خيبة الأمل هذه كما لم تكن من قبل، وذلك بفضل الانهيار البيئي الوشيك وعدم المساواة الساحقة التي يمكن ربطهما بقوة بالنشاط الرأسمالي العالمي.

وبغض النظر عن المخاوف الأخلاقية والوجودية المتعلقة بالعولمة، يجب علينا أيضًا الاهتمام بالبحوث التي تحاول تأطيرها نظريًا. ومن التفسيرات السائدة للعولمة أن «الأطر والنطاقات الناشئة اليوم: المؤسسات الوطنية، والمؤسسات فوق الوطنية، والأنظمة الخاصة العالمية الجديدة» تشبه العالم الأوروبي قبل الدولة القومية، أي «الجغرافيا السياسية المتعدّدة الأبعاد للنظام الإقطاعي».9 وترى العالمة الاجتماعية الهولندية-الأمريكية ساسكيا ساسين (Saskia Sassen) أن العولمة تمثل «تغييرًا أساسيًا» في النظام المعقد للدول القومية، وهو تغيير يتميز بـ «تزايد الترابط بين الدول وتشكيل أنظمة عالمية». وتضيف أن هذا التغيير يحدث ضمن الهياكل المعقدة والقوية للغاية للدولة القومية، التي هي «الوحدة التي استوعبت جميع اللبنات الأساسية للمجتمع على مدى عدة قرون».10 بمعنى آخر، الدولة القومية كبيرة جدًا بحيث لا يمكن أن تنهار أو تختفي ببساطة – على الأقل في العالم المتقدم، إنها تتحول بدلًا من ذلك لتصبح محورًا ووسيطًا للتحولات الجارية. وتُعايش عمليات “إلغاء القومية” التي تُعرف باسم العولمة وتتنافس مع العمليات الأقدم. وعندما نفكّر في عملية التراجع عن العولمة أو «تفكيكها»، يجب أن تدفعنا رؤية ساسين للتفكير فيها ليس كإعادة ولادة أو استعادة لمركزية الدولة القومية، بل كمجموعة معقدة لا متناهية من العمليات والمفاوضات الكثيرة التي لم تُحسم نتائجها بعد. وتشير البحوث إلى أنه على الرغم من أن العالم بعد العولمة من غير المرجّح أن يعود إلى عالم الدول القومية قبلها، فإن شكله النهائي ومن سيكون الرابح والخاسر فيه غير محدّد سلفًا. الأمر يعتمد على كيفية خوض المعارك، مدينة بعد مدينة، ومنطقة بعد منطقة.

 

التراجع عن العولمة: المحرّكات والمخاوف

تربط مجموعة من الأدبيات المعنية بعملية التراجع عن العولمة هذا المفهوم بانحسار الهيمنة الأمريكية العالمية والتحوّل من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب على الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية. فقد جاء في تقرير صدر عام ۲۰۱۲ عن المجلس الوطني للاستخبارات، أعلى هيئة استخباراتية في واشنطن: «بحلول عام ۲۰۳۰، لن تكون أي دولة … قوة مهيمنة … مما يعكس بشكل كبير انقلاب الصعود التاريخي للغرب منذ عام ۱۷٥۰». ومن المتوقّع أن تتجاوز آسيا أمريكا الشمالية وأوروبا مجتمعتين من حيث القوة العالمية، استنادًا إلى الناتج المحلي الإجمالي وحجم السكان والإنفاق العسكري والاستثمار التكنولوجي. ومن المحتمل أن تمتلك الصين وحدها أكبر اقتصاد، متجاوزةً الاقتصاد الأمريكي قبل بضع سنوات من عام ۲۰۳۰.11

ومن جانبه، كتب المؤرخ ألفريد ماكوي (Alfred McCoy) في مقاله الصادر عام ۲۰۱۹ بعنوان «نهاية نظام العالم الذي نعرفه وشيكة» أن «ما لا يقل عن ۲۰۰ إمبراطورية نشأت وسقطت على مر التاريخ، ولن تكون الولايات المتحدة استثناءً». ومن بين الأسباب التي يقدمها ماكوي، إلى جانب ما يسمى بالقوى التاريخية التي لا يمكن كبحها، هناك تطورات محددة أكثر، مثل صعود الصين (الذي يراه ماكوي مقلقًا لأي شخص معني بحقوق الإنسان وسيادة القانون)، وأعظمها على الإطلاق، تغيّر المناخ.

تركّز مجموعة أخرى من الدراسات على التكنولوجيا وتأثيرها الاقتصادي والعسكري. يتحدث الاقتصادي الألماني ومؤسّس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب (Klaus Schwab) عن «الثورة الصناعية الرابعة». كانت الثورة الأولى في سلسلة التحولات الاجتماعية الأساسية هذه هي الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر المرتكزة على الطاقة البخارية، والثانية الثورة الكهربائية في أواخر القرن التاسع عشر، والثالثة كانت الثورة الرقمية في أواخر القرن العشرين. ويؤكد شواب أن الثورة الرابعة ستكون أعظم تأثيرًا. كما يؤكد الاستراتيجي العسكري والمؤرّخ الأمريكي تي. إكس. هامس (T.X. Hammes) أن أحد النتائج الكبرى للثورة الصناعية الرابعة سيكون التراجع عن العولمة.12 فمع تلاشي المزايا النسبية لتكاليف العمالة والفوارق التكنولوجية في التصنيع، ستصبح الطاقة منتَجة محليًا بدلاً من الاعتماد على النفط، وسيتمكّن كل بلد من الإنتاج محليًا، مما يؤدي «إلى تراجع كبير في حركة التجارة والخدمات والاستثمارات على مستوى العالم – باختصار، التراجع عن العولمة». إلى جانب هذا، سيركّز النمو الاقتصادي على الأسواق الإقليمية بدلًا من التجارة البين إقليمية أو العالمية.

ومن خلال تطبيق الفكرة ذات التأثير الكبير التي اقترحها في التسعينيات أستاذ جامعة هارفارد للأعمال مايكل إي. بورتر (Michael E. Porter)، والتي تقوم على أن الميزة التنافسية للدول تعتمد على تجمعات من الشركات المترابطة، والمورّدين، والصناعات ذات الصلة، والمؤسسات (بدلًا من المواد الخام أو النظام السياسي أو القوة العسكرية)، يتوقّع هامس أن «الشركات ستحقّق أرباحًا أكبر عن طريق إنتاج وبيع السلع والخدمات على المستوى الإقليمي وحتى المحلي بدلًا من المستوى العالمي».13 وعلى الصعيد العسكري، يرى هامس أن التدخل الأمريكي ودورها كشرطي للعالم يجب أن يتحول بشكل كبير، إذ ستصبح الجهات الفاعلة الأصغر قادرَة على إعادة إنتاج تقنيات الحرب الهجومية وتغيير الموقف العسكري للقوى الكبرى.

 

مبررات التراجع عن العولمة

قبل ظهور حركات مثل احتلوا وول ستريت (Occupy Wall Street) التي نادت بالتصدّي لتزايد الفجوة الاقتصادية، وحياة السود مهمة (Black Lives Matter) التي احتجت على وحشية الشرطة والعنصرية النظامية لتهزّ قلب الرأسمالية العالمية، كانت هناك معركة سياتل (Battle of Seattle) عام ۱۹۹۹، عندما تجمّع أكثر من ٤۰ ألف متظاهر للاحتجاج على العولمة. ويكتب عالم الاقتصاد نوح سميث ( Noah Smith): «كان منظّمو الاحتجاج مزيجًا من مجموعات متعددة – نقابات قلقة من المنافسة مع العمالة الأجنبية الرخيصة، وبيئيون قلقون بشأن تصدير الأنشطة الملوّثة، ومجموعات حماية المستهلك القلقة من الواردات غير الآمنة، وجماعات حقوق العمال القلقة من ظروف العمل السيئة في دول أخرى، ويساريون من مختلف التيارات يعبّرون عن غضبهم من الرأسمالية ببساطة».14

لقد استمر النقاش بين دعاة العولمة ومعارضيها لعقود، ولم يحقّق أي طرف نصرًا حاسمًا. فالعولمة بلا شك زادت الثروة الإجمالية بشكل كبير، لكن إذا كان التبرير الأخلاقي لها هو انتشال الفقراء من دائرة الفقر، فإن سجلها يبدو مخيّبًا للغاية. فقد خَلُصَ الاقتصادي براناب باردان (Pranab Bardhan) من جامعة بيركلي (University of California, Berkeley) في مقاله الذي صدر قبل الأزمة المالية الكبرى لعام ۲۰۰۷ بعنوان «هل تساعد العولمة الفقراء أم تضرّ بهم» (Does Globalization Help or Hurt the World’s Poor) إلى أن تأثيرها الفعلي على القضاء على الفقر ضعيف. صحيح أن أعدادًا كبيرة خلال العقود الأخيرة صعدت فوق خط الفقر في الصين (من ۷۰% إلى ۲۷%)، والهند (من ٦۳% إلى ٤۲%)، وإندونيسيا (من ٥٥% إلى ۱۱%)، إلا أن غالبية هذا التغيير حدث قبل تسارع العولمة في الثمانينيات: فبين ٤۰۰ مليون صيني يُفترض أنهم تجاوزوا خط الفقر، كان ۳۰۰ مليون قد تحقّق لهم ذلك بحلول عام ۱۹۸۷ نتيجة إصلاحات الدولة وتوسيع البنية التحتية. وبالمثل، يمكن عزو التغيير في الهند وإندونيسيا إلى عوامل أخرى مثل الثورة الخضراء.15

إذا فُهِمَت العولمة على أنها التوسّع العالمي للرأسمالية، فإنها لم تساعد الفقراء في حد ذاتها، بل أنتجت تفاوتًا هائلًا بين قلة من الفائزين الكبار وخاسرين كُثر. لكن العواقب الأخرى، خارج الاقتصاد، أعظم وأكثر تعقيدًا، إذ تمتد إلى المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والبيئية. والأخيرة ربما هي المجال الوحيد الذي يمكن قياس تأثيره بدقة علمية. فدمار البيئة الكوكبية هو أيضًا الأطول أثرًا والأكثر حسمًا في تقييم أداء العولمة والحكم على مستقبلها. والمفارقة أنه رغم مساهمة الرأسمالية العالمية في تفاقم الاحتباس الحراري وتدهور البيئة، إلا أن التعاون العالمي والعلمي الذي توفّره يظل ضروريًا للتخفيف من آثارها.

سياسيًا، يبدو أن الرأسمالية العالمية قد أضعفت الديمقراطية ومساءلة النخب ومهمة السياسة في كل مكان، حتى أن آثار جوانب العولمة الأخرى، مثل زيادة حركة الأشخاص والأفكار والمعلومات، كانت أقل وضوحًا. وقد عبّر فلاسفة بارزون عن قلقهم – إن لم يكن رعبهم – مما يبدو أن الرأسمالية المعولمة قد فعلته بالديمقراطية والحياة الكريمة. بعد فترة وجيزة من صدور كتاب غوينو، أصدر الفيلسوف البريطاني جون غراي (John Gray) كتابه «الفجر الزائف: أوهام الرأسمالية العالمية» (False Dawn: The Delusions of Global Capitalism)، الذي يُعدّ من أكثر الانتقادات إقناعًا للرأسمالية المعولمة، مؤكّدًا على ضرورة الاقتصاد الكينزي لضمان الديمقراطية الاجتماعية داخل الدولة القومية. ويؤكّد غراي أن الاقتصاد الحر أو «اليد الخفية» هو أيديولوجيا خطيرة ثبت خطؤها مرارًا، فهي دائمًا تُصنع بواسطة السلطة القسرية، وتسبّب معاناة إنسانية هائلة. «الحقيقة أن الأسواق الحرة ليست سوى من إنتاج السلطة، وتستمر فقط طالما تمكّنت الدولة من منع التعبير السياسي عن حاجة الإنسان للأمن والتحكم في المخاطر الاقتصادية».16 والمفارقة أن «الأسواق المقيدة هي الأصل في كل مجتمع، بينما الأسواق الحرة نتاج تصميم وابتكار وإكراه سياسي». فإذا كانت السوق الحرة قسرية داخل الدولة القومية – وهي مجتمع يجمع التاريخ والمصالح والمصير المشترك – فما نوع الجحيم الذي يجب إشعاله لتحويل العالم إلى سوق حرة عالمية؟

ويحذّر تقرير صادر عن قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة عام ۲۰۲۰: «لقد أدت زيادة الفجوات الاقتصادية إلى خلق استياء، وتعميق الانقسامات السياسية، وقد تؤدي إلى صراعات عنيفة».17 كما يشير التقرير إلى صعود الشعبوية أو القومية الإثنية-الثقافية في الاقتصادات الديمقراطية الكبرى. ولا يزال العلماء منقسمين حول ما إذا كان صعود النزعة القومية المحلية ناجمًا عن عوامل اقتصادية أم ثقافية.18 وارتفع عدد المهاجرين عالميًا من ۳٦ مليون في عام ۱۹۹۱ إلى ۱۹۱ مليون في ۲۰۰٥، ووصل إلى ۲۷۲ مليون في ۲۰۲۰.19 وفي كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، «كان المؤشر الأكثر ثباتًا لكيفية تصويت الناس هو مستوى التعليم» بدلًا من الدخل، مما يشير إلى تفسير ثقافي. وعلى المستوى العالمي،تراجعت الثقة في الأمم المتحدة وفي الجهات الدولية والتعاون العالمي، حيث ارتفعت نسبة «غير الواثقين» من ٤۰% إلى ٤۸% بين عامي ۲۰۰۰ و۲۰۱۰.20

باختصار، لا يمكن للاقتصاد وحده تفسير التحوّل الكبير نحو معارضة العولمة في دول عالم الشمال.21 وقد جادل العلماء منذ زمن طويل بأن أسوأ آثار العولمة لم تكن الفوارق الاقتصادية والمؤسسات القسرية، بل أعمق من ذلك: فقدان الثقة الشاملة، وتدهور الحياة الاجتماعية، وانحدار الديمقراطية لتتحوّل إلى وعد فارغ، وظهور جماعات غاضبة تبحث عن كبش فداء. كتب عالم الاجتماع زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman): «جزء لا يتجزأ من عمليات العولمة هو الفصل المكاني التدريجي، والانفصال، والإقصاء». ويمكن مشاهدة مثال على ما يقصده في أي مدينة في دول العالم النامي، حيث يعيش القليل من الأثرياء في مجمعات مسوّرة تعكس أحياء دول عالم الشمال الأكثر انحلالًا، بينما يعيش الفقراء الحضريون والريفيون في جحيم على الأرض من التلوّث وانعدام السلطة والانفصال الديني والروحي. وعلاوة على ذلك، يُعتقد أن الإرهاب، والقومية المفرطة، والتعصّب الديني، وأشكال أخرى من التحزّبات، هي من المنتجات الجوهرية للعولمة. ويكتب باومان: «الميول القبلية والأصولية الجديدة، التي تعكس وتشرح تجربة الناس بوصفهم الطرف المتلقي للعولمة، هي وليدة العولمة تمامًا كما هو الحال مع ‘تهجين’ الثقافة العليا – الثقافة في القمة المعولمة».22

يُعتبر عالم الاجتماع والناشط البيئي والسياسي الفلبيني والدن بيلو (Walden Bello)، ومنذ فترة طويلة، من بين أبرز المدافعين عن عملية التراجع عن العولمة. المشكلة الجوهرية في رأي بيلو هي الإنتاجية الصناعية الرأسمالية المفرطة، والتي نتجت بدورها عن عدد من العوامل التي تزامنت بعد الحرب العالمية الثانية، مثل «الطلب الاستهلاكي بعد الحرب، وإعادة إعمار أوروبا، والإنفاق العسكري الأمريكي، والتطوّر الاقتصادي السريع في العالم المستعمر حديثًا»، وهي نفس العوامل التي خلقت في الولايات المتحدة «العصر الذهبي للرأسمالية».23 انتهت هذه الفترة الوردية بأزمة مزدوجة من الركود والتضخّم التي لم يكن الاقتصاد الكينزي قادرًا على توقّعها أو تفسيرها. ولحلّ مشكلة الإنتاجية المفرطة، لجأت النخب الرأسمالية إلى ثلاثة حلول: إعادة الهيكلة النيوليبرالية، والعولمة، والاعتماد المفرط على القطاع المالي. وللتعامل مع الإنتاجية المفرطة وتراجع الأرباح، تم دمج مناطق شبه رأسمالية وغير رأسمالية مثل الصين في السوق العالمية لتوفير العمالة الرخيصة، والمواد الخام، والأسواق الجديدة. هذا الأمر زاد من القدرة الإنتاجية فضلا عن الإنتاج المفرط. أما الاعتماد المبالغ فيه على القطاع المالي، القائم على الائتمان والمضاربة (وهي عملية معروفة منذ العصور القديمة في جوهرها كالربا)، فقد ازدادت شدتها، كما لاحظ ماركس:

بالنسبة لحائز رأس المال النقدي، يبدو أن عملية الإنتاج مجرد حلقة وسيطة لا مفرّ منها، وشرّ ضروري من أجل جني المال. لذلك تتعرّض جميع الأمم ذات نمط الإنتاج الرأسمالي دوريًا لمحاولة محمومة لكسب المال دون تدخل عملية الإنتاج.24

أدّى ذلك إلى الأزمة المالية والركود الكبير بين عامي ۲۰۰۷-۲۰۰۹، وأعاد إحياء الاقتصاد الكينزي في عهد أوباما، ولكن الأهم من ذلك، أن النخبة العالمية بدأت تتحوّل نحو التراجع عن العولمة. ومن بين العوامل الحاسمة التي تساهم في عدم استقرار العولمة، يقترح بيلو الاعتماد على الأسواق الأجنبية والإنتاجية المفرطة. فاقتصاد العولمة الرأسمالي هش، وهو عرضة للأزمات، ومدمّر في نهاية المطاف لأنه قائم على خيوط طويلة ورفيعة بدلًا من الحبال القصيرة والسميكة للاقتصاد الإقليمي.25

لقد قدّم اليسار واليمين معًا حججًا للتراجع عن العولمة على شكل الاقتصاد الوطني أو الإقليمي، حيث انقلب اليمين ضد العولمة الاقتصادية بسبب فقدان الوظائف وارتفاع عدد العمال المهاجرين، سواء المهرة أو غير المهرة، من دول العالم النامي، وكذلك بسبب نقل الوظائف إلى الأسواق الرخيصة الناشئة وما يترتّب على ذلك من فقدان للوظائف والمكانة (مع تحقيق المكاسب المؤقّتة من العصر الذهبي للرأسمالية المذكور أعلاه) بالإضافة إلى أيديولوجية الاستقلالية والاستثنائية الأمريكية. بينما يهتم اليسار بالقضايا البيئية، وحقوق العمال، وتآكل الديمقراطية التي أشار إليها وولين باعتبارها صعودًا للديكتاتورية المعكوسة.

 

حجة المحافظين: التراجع عن العولمة للحفاظ على السوق الحرة الحقيقية، والمجتمع، أو الطابع الوطني

لنبدأ بعينة من النقد المحافظ من الولايات المتحدة، قلب الرأسمالية. ينقسم علماء السياسة المحافظون المعارضون للعولمة إلى عدة فئات، حيث الانتقادات كثيرة وبعضها متناقض مع الآخر. هناك الليبراليون المؤيّدون للسوق الحرة الذين يشيرون، بالاتفاق مع النقاد اليساريين (وهذه إشارة صحيحة)، إلى أن الرأسمالية العالمية ليست سوقًا حرة فعلًا بل صفقة ربحية بين الحكومة والشركات الكبرى؛ فالولوج العالمي إلى الأسواق الرخيصة يحرّر الأخيرة من مواجهة المنافسة الحرة والعادلة في السوق. أما المحافظون الأقل راديكالية، مع دعمهم للرأسمالية والنمو، فيسعون ببساطة إلى إبطاء وتيرة التغيير للتخفيف من الآثار السلبية على العمال والمجتمعات المدعومة بأسواق عالمية أقل تنافسية. أما المحافظون الاجتماعيون الذين يقدّرون المجتمع والأسرة والعادات الاجتماعية، فينظرون إلى العولمة بحذر أكبر، خشية تدمير المجتمع والشعور التضامني والفضائل الجمهورية عندما يتعرّض الناس لقوى السوق العالمية غير الشخصية، ويلخّص جيمس روجرز مخاوفهم ببلاغة:

تكلفة النظام السوقي في هذا الرأي هي فقدان التضامن بين الناس. يُبرز المعلّقون جوانب مختلفة لهذه التكاليف الاجتماعية. يركّز أحد الخطوط على فكرة أن تسليع العمل يدمّر الروابط التضامنية بين الناس في المجتمعات المحلية. هناك نسخة مباشرة من هذا الرأي، تقول إن السوق، والجهالة بين المنتج والمستهلك، تدفعنا بالضرورة إلى التعامل مع الآخرين كوسائل بدلًا من أن نراهم غايات في حد ذاتها. ويضيف بعضهم أن السوق يخلق بيئة رمزية تغيّر الطريقة التي نفكر بها تجاه الناس الذين نراهم في حياتنا اليومية. ونتيجة لذلك، تصبح الحياة الاجتماعية معزولة ومرتبطة بالتبادل التجاري فقط. كما يشير آخرون إلى حجم السوق العالمي: على عكس الأسواق قبل الحديثة، فإن الاقتصاد العالمي اليوم يجعل المنتجين والمستهلكين غرباء عن بعضهم البعض، والسعر هو الوسيط الوحيد بين شخص وآخر، ويمنع هذا إمكانية تخصيص المعاملات الاقتصادية لخدمة احتياجات الأفراد المحدَّدة، كما كان يمكن أن يحدث في المعاملات التي تجري وجهاً لوجه في الأسواق المحلية. هذا التغيير يقوّض إمكانية الحفاظ على مجتمعات حقيقية، حتى على المستوى المحلي: الإنتاج المحلي هو إنتاج للمستهلكين الذين قد يكونون على بعد آلاف الأميال، والمكوّن العاطفي والعلاقاتي للسوق المحلي ضاع في النظام السوقي الحديث.26

فضلا عن الضرر الذي يلحق بالمجتمع المحلي والتضامن، يقلق القوميون الاقتصاديون (نوع آخر من المحافظين) بشأن تدهور الطابع الوطني نتيجة الهجرة وزيادة نفوذ المؤسسات العالمية في تحديد السياسة والثقافة؛ ويمكن التقاط هذا القلق الوطني بشكل أفضل في حالة بريكست (Brexit). هذان النوعان من المخاوف ليسا متعارضين، ولكنهما مختلفان؛ فالرأسمالية الوطنية الأمريكية قبل العولمة قد أضعفت بالفعل المجتمع المحلي والأسرة والمعايير الأخلاقية. ومن الواضح أن الليبراليين، والمجتمعيين، والقوميين الاقتصاديين يتفقون قليلًا حتى عندما يتفقون على معارضتهم للأيديولوجية العولمية.

 

الحجة الليبرالية اليسارية: التراجع عن العولمة لإنقاذ البيئة والديمقراطية والثقافات والاقتصادات المحلّية (غير الغربية)

على مدى الخمسمئة عام الماضية، كما أشار عالم الاجتماع إيمانويل والرشتاين (Immanuel Wallerstein) بشكل مشهور في نظريته عن الأنظمة العالمية، ظل العالم منقسمًا بحدة بين المركز الرأسمالي (عالم الأطلسي، الذي يُعرف أحيانًا بعالم الشمال) والعالم الهامشي (الذي يُعرف أحيانًا بعالم الجنوب). وقد كان تأثير العولمة أكبر بشكل غير متناسب على الأخير، وخاصة الدول التي تفتقر إلى القدرة المؤسسية والسياسية لمقاومة غزو وإغراءات رأس المال العالمي وتقلبات السوق المدمرة.

لتلخيص الحجة اليسارية ضد العولمة، لنعد أولًا إلى وجهة نظر عالم الاجتماع الفلبيني والدن بيلو، الذي شاع استخدام مصطلح التراجع عن العولمة في كتابه الصادر عام ۲۰۰٤، حيث قدّم حجة متعددة الأبعاد لذلك. في مقال له عام ۲۰۰۸، جادل بأن «ديناميات الرأسمالية العالمية ذات طبيعة مدمرة بيئيًا بطبيعتها». وفي كتابه الأحدث «الملاذ الأخير للرأسمالية: التراجع عن العولمة في عصر التقشف» (Capitalism’s Last Stand: Deglobalization in the Age of Austerity)، يطوّر بيلو حججه السابقة في ضوء الأحداث الفاصلة التي حدثت في السنوات المتوسطة، ويؤكد أن «الترتيبات الاقتصادية غير الرأسمالية المنفكة عن العولمة تبدو جزءًا أساسيًا من الحل لتحديات تغيّر المناخ وأشكال التدهور البيئي الأخرى».27 ومع مقاومة الرأسماليين العالميين للإجراءات الحكومية مثل فرض سقوف إجبارية للانبعاثات الكربونية، تظهر النخب في اقتصادات عالم الجنوب الناشئة قليلًا من الاستعداد للابتعاد عن نموذج النمو المرتفع والاستهلاك العالي الموروث من الشمال.

إذا كانت النظرية الكينزية تتصور رأسمالية مُدارة تقيّدها الديمقراطية، فقد جادل الفيلسوف السياسي الأمريكي شيلدون وولين (Sheldon Wolin) بأن النظام العالمي النيوليبرالي يتصور ديمقراطية مُدارة مقيدة بتحقيق أقصى قدر من الربح للشركات متعددة الجنسيات. وبحسب وولين، فإن العولمة ليست عملية حتمية بلا قيادة، بل هي نتيجة انحدار القوة العالمية إلى ما يسميه الاستبداد المعكوس (inverted totalitarianism)، التي تقودها النخبة النيوليبرالية الجديدة، والتي بموجب تأثيرها احتضنت الولايات المتحدة المنتصرة بعد الحرب الباردة مخيال السلطة (imaginary of power) بدلًا من المبادئ الدستورية والديمقراطية، ومن خلال عرض السلطة المطلقة عالميًا عبر ألف قاعدة عسكرية (ومن خلال وسائل الإعلام الفضائية كما في حربي الخليج)، وأخيرًا عبر الحرب العالمية على الإرهاب التي أُعلنت بعد هجمات ۱۱ سبتمبر. وقد أدّى السعي العالمي وراء التفوّق بالقوة عبر هذه الوسائل وغيرها إلى تقويض الديمقراطية والقيود الدستورية في الداخل:

يتميّز الاستبداد المعكوس باللحظة السياسية التي تتخلّى فيها السلطة المؤسسية نهائيًا عن تعريفها كظاهرة اقتصادية بحتة، محصورة أساسًا في المجال المحلي لـلمؤسسة الخاصة، وتتطوّر لتصبح شراكة عالمية مع الدولة: تحوّل مزدوج للمؤسسة والدولة. فالأولى تصبح أكثر سياسية، والثانية أكثر توجّهًا نحو السوق. هذا التمازج السياسي الجديد يعمل على تسييس السياسة الداخلية بحيث تخدم مصالح كل من الدولة والمؤسسات، مع الدفاع عن تلك المصالح وعرضها في بيئة عالمية متقلبة وتنافسية.28

ولا يقتصر هذا على الولايات المتحدة فحسب: فهناك شيء جوهري يتعلّق بالنطاق الذي تجبرنا العولمة على التفكير والتعلم فيه بما يجعلها معارضة لأي نوع من السياسة التشاركية، بما في ذلك الديمقراطية. فما يؤكده المعلقين دائمًا هو ضرورة تثقيف الناس حول الموضوع الذي يختصون به أو يركزون عليه في اللحظة الراهنة – وقائمة هذه الموضوعات، والتي كل منها يتطلّب إتقانًا مطولًا لمجال معين، قد تصل بسهولة إلى الآلاف. وهذا يؤدّي حتمًا، في أفضل الظروف، إلى حكم الخبراء (rule of experts)؛ كما يعني أن المعلومات اللازمة لاتخاذ حتى قرارات متوسطة الدراية تعتمد على معلومات مجرّدة يتم توظيفها وتغليفها لتسهيل استخدامها من قبل من يتقنون مجرّد العرض، وليس بالضرورة الموضوع ذاته. وهذا يسهّل صعود المشاهير والشعبوية، بدلًا من السياسة التشاركية الفاعلة، والقادة القادرين على إلهام وتمكين الأفضل وكبح أسوأ نزعات الجماهير. فالمعرفة التي يستند إليها حتى الأكثر اطلاعًا في هذه الظروف مجرّدة بدرجة عالية بدلًا من أن تكون طبيعية وملموسة ومتعدّدة الأبعاد، على عكس المعرفة التي يمتلكها الفرد عن محيطه المباشر، وعائلته، ومجتمعه.

وأخيرًا، ربما تكون أهم العواقب الإنسانية للعولمة ثقافية ودينية. بالنسبة للمسلمين، كما بالنسبة للمهتمين بطرق حياة أخرى (مثل الصينيين، والهنود، والأفارقة، وبالطبع العديد من سكان عالم الشمال أنفسهم)، مثّلت العولمة تهديدًا ثقافيًا غير مسبوق لما يقدّرونه في أساليب حياتهم الخاصة. وقد بدأت المجتمعات الأوروبية-الأمريكية، المهدّدة بالهجرة من الأراضي التي دمّرتها شركاتها، تتذوّق السم الذي وزعته على مدى القرنين الماضيين. وقد بدأ العلماء المدققون يدركون تحدي الإبادة الثقافية الذي تفرضه مرحلة العولمة الحالية على المجتمعات غير الغربية. كتب عالم الأنثروبولوجيا الشهير كليفورد جيرتز (Clifford Geertz) مرة:

يبدو أننا بحاجة إلى نوع جديد من السياسة، سياسة لا تعتبر التأكيد الإثني أو الديني أو العرقي أو اللغوي أو الإقليمي مجرّد تخلُّف قديم وعاجز يجب قمعه أو تجاوزه… بل تعتمد على تطوير موقف أقل بساطة من الشيطنة، وأقل سلبية تجاهها، باعتبارها أثرًا من الماضي أو مرحلة مبكرة من وجود الإنسان.

كان جيرتز ساذجًا إذا ظن أن تحسين الموقف وزيادة التعليم يمكن أن يحلّ مشكلة تدمير الثقافات واللغات وطرق الحياة وسبل العيش بفعل العولمة. وأشار في موضع آخر إلى معضلة أن العالم «ينمو بشكل أكثر عولمة وأكثر انقسامًا، أكثر ترابطًا وأكثر تقسيمًا وتعقيدًا في الوقت ذاته. ومع زيادة أحدهما، يزداد الآخر».29 وبينما يتم القضاء على طرق حياة أخرى أو تغييرها بشكل جذري، كيف يمكن أن يصبح الناس أكثر انقسامًا عندما يصبحون أكثر غربية؟ العولمة لا تُنتج قرية متناغمة؛ فبينما يتعلم الناس التحدث بنفس اللغة واكتساب الرغبات نفسها والتنافس على الأشياء ذاتها، يصبحون أيضًا وبنفس الطريقة أكثر وعيًا بعدم المساواة والظلم.

 

أسئلة مفتوحة

بينما كانت العولمة مدفوعة بالاقتصاد في جوهرها، فإن حضورها الفعلي وتأثيراتها طويلة المدى تمتدّ إلى مجالات بيئية، واجتماعية، ونفسية، وعاطفية، وسياسية، وثقافية. لقد تغيّرت بشكل عميق أذواق الناس، وتوقعاتهم، ومخاوفهم، ومشاعرهم، وما يحبّونه، ومصادر معلوماتهم، وعمق واتساع علاقاتهم، وحجم أسرهم، وسلوكياتهم العائلية، ومعدّلات الزواج والإنجاب لديهم، وولاؤهم للأسرة والمجتمع، وتأثيرهم على البيئة، ومعرفتهم وممارستهم للشعائر الدينية.

أكثر أثر لا جدال فيه للعولمة كان التسارع الكبير وغير المستدام لتدهور البيئة. فالأفراد في عالم الجنوب يكنّون الاستياء والإعجاب تجاه عالم الشمال في آنٍ معاً، ويتطلّعون إلى أسلوب حياة مماثل. وهذا أمر موضوعيًا مستحيل. فالأمريكيون يشكّلون ٥% فقط من سكان العالم، لكنهم يستهلكون ما يقرب من ۳٥% من موارد العالم. وحتى صعود الاقتصادات الجديدة يعتمد إلى حد كبير على المستهلكين الشرهين في عالم الشمال. إنّ الليبرالية الحديثة والرأسمالية مرتبطتان دون انفصال بأسلوب حياة استهلاكي، أي أسلوب حياة يكون فيه الاستهلاك حقًا يطالب به الأمريكيون بشدّة. وإذا تم تمديد هذه الشروط للحياة الفردية والمادية إلى ۷۰-۸۰% من البشرية التي ما زالت تعيش في ثقافات أكثر تقليدية – وهي الثقافات التي يعتمد عليها استمرار وجودنا والتي تتعرض لتهديد شديد – فسيتطلّب الأمر ببساطة وجود عدة كواكب أخرى. علاوة على ذلك، فإن تغيّر المناخ بفعل البشر، المرتبط مباشرة بالتصنيع والحياة الحديثة، قد ألحق بالفعل أضرارًا جسيمة بالكوكب. كما أن التهديدات مثل الأوبئة العالمية، مع تكرارها وتصاعد خطورتها، تتزايد عبر دوران العمل ورأس المال على المستوى العالمي، وقد تكون وحدها كافية لتحديد ساعة موت العولمة.

ومع ذلك، ومن المفارقات، فإن حلّ المشكلات البيئية والكوارث الطبيعية والأوبئة العالمية، التي لا تعرف حدودًا ثقافية أو وطنية، يتطلب تعاونًا عالميًا، وهو ما تهدده سياسات عملية التراجع عن العولمة. إن المعرفة اللازمة لدعم النمو السكاني العالمي المتزايد تُنتج وتُستهلك عالميًا. لقد مكّنت العولمة من تكثيف التفاعل بين الثقافات؛ وحتى تحت هيمنة الليبرالية الغربية، وجدت الثقافات غير الغربية أصواتًا جديدة. وبينما يشير النُّقاد إلى أن هذه الثقافات المعاد صياغتها غالبًا ما تكون صورًا عاكسة أو ردودًا سطحية على الثقافات الغربية، فإن الفرص التي وفّرتها العولمة (وخاصة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي) للحوار، وإعادة التأكيد، وخلق أشكال جديدة من التضامن تبدو غير مسبوقة وقوية.

كيف يجب على علماء الأمة وقادة الفكر المسلمين – ورثة الأنبياء – الاستجابة لعالم يتغيّر بعمق؟ لا يمكن لأي قوانين حتمية في العلوم الاجتماعية أن تحدّد النتيجة؛ فالقرار بيد الله سبحانه وتعالى، الذي يكافئ التفكير الصائب والعمل الصحيح. ومن خلال الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلّم، يمكن، إن شاء الله، أن يتحول شبح التراجع عن العولمة إلى بداية جديدة مبشّرة، ليكون مستقبلنا الجماعي أفضل من الحاضر الوهمي، الذي تؤذى فيه يوميًا مجموعة جديدة من المسلمين، ويقف باقي المسلمون، كخراف ينتظرون دورهم على باب المسلخ، في حيرة تامة، كل واحد يدفع الآخر نحو السكين بينما يقترب الجميع حتمًا منها.

 

*          *          *

 

الاقتباس المقترحة:

عويمر أنجم، «هل التراجع عن العولمة أمرٌ واقع؟ وماذا يمكننا أن نفعل حياله؟»، ترجمة أنس خضر، أمّتكس، ٤ ديسمبر ٢٠٢٥، https://ar.ummatics.org/is-deglobalization-real

 

هوامش

  1. Walden Bello, Capitalism’s Last Stand: Deglobalization in the Age of Austerity (New York: Zed Books, 2013), 1; “Turning their Backs on the World,” The Economist, February 19, 2009.

  2. Manfred Steger, Globalization: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2009), 8–9.

  3. يشير الخبير البارز إريك هيلينر إلى أنه بينما تُحافظ القوى الاقتصادية الجديدة على الدولار الأمريكي كاحتياطي لعملاتها في الوقت الحالي، فإنها تتخذ خطوات تدريجية وحاسمة لاستبدال النظام العالمي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة. وهذا يتناقض مع مؤتمر ما بعد الحرب العالمية الثانية في بريتون وودز (Bretton Woods)، عندما صمّم المنتصرون بقيادة الولايات المتحدة نظامًا جديدًا من الصفر. انظر، على سبيل المثال، المحاضرة:

    “Legacies of the 2008 Global Financial Crisis,” YouTube, starting at 45:00 (accessed 24 August 2020).

  4. وقد روى الصحفي توماس فريدمان (Thomas Friedman) من صحيفة نيويورك تايمز بأسلوب بديع في سفاهته في كتب مثل:

    The Lexus and the Olive Tree: Understanding Globalization (New York: Farrar, Straus, & Giroux, 1999) and The World is Flat: A Brief History of the Twenty–first Century (New York: Farrar, Straus, & Giroux, 2005).

  5. The End of the Nation State (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1995), x.

  6. المرجع السابق، xii.
  7. المرجع السابق، xiii.
  8. المرجع السابق، ٤.
  9. Saskia Sassen, Territory, Authority, Rights: From Medieval to Global Assemblages (Princeton University Press, 2006), 27.

  10. المرجع السابق، ٤۰۱.
  11. Cited in Alfred McCoy, In the Shadows of the American Century: The Rise and Decline of US Global Power (Chicago: Haymarket Books, 2017).

  12. T.X. Hammes, Deglobalization and International Security (Amherst: Cambria Press, 2019), xiii.

  13. المرجع السابق، xiii.
  14. Noah Smith, “The Dark Side of Globalization: Why Seattle’s 1999 Protesters Were Right,” The Atlantic, January 6, 2014.

  15. Pranab Bardhan, “Does Globalization Help or Hurt the World’s Poor?” Scientific American, March 6, 2006.

  16. John Gray, False Dawn: The Delusions of Global Capitalism (New York: The New Press, 1998), 17.

  17. United Nations Department of Economic and Social Affairs (DESA), “World Social Report 2020: Inequality in a Rapidly Changing World” (United Nations, 2020), 20.

  18. المرجع السابق، ٥۱.

  19. يشير التقرير إلى أن «رد الفعل العنيف ضد العولمة كان عنصرًا أساسيًا في الخطاب الشعبوي الأخير في الدول المتقدمة. ومن المرجح أن عدم المساواة، إلى جانب انعدام الأمن في سوق العمل واعتبارات اقتصادية أخرى، إلى جانب العوامل الثقافية والديموغرافية، قد لعبت جميعها دورًا في صعود الشعبوية»، انظر: United Nations World Migration Report 2020
  20. US DESA, “World Social Report 2020,” 167.

  21. World Migration Report 2020, 52.

  22. Zygmunt Bauman, Globalization: The Human Consequences (Cambridge: Polity Press, 1998), 3.

  23. المرجع السابق، ٤–٥.
  24. Karl Marx as quoted in Bello, Capitalism’s Last Stand, 8.

  25. Bello, Capitalism’s Last Stand, 23.

  26. James R. Rogers, “Understanding the Conservative Split Over Globalization,” Law and Liberty, December 20, 2017.

  27. Bello, Capitalism’s Last Stand, 164.

  28. Sheldon S. Wolin, Democracy Incorporated: Managed Democracy and the Specter of Inverted Totalitarianism, new ed. (Princeton: Princeton University Press, 2018), 238.

  29. Richard A. Shweder, “Geertz’s Challenge: Is It Possible to Be a Robust Cultural Pluralist and a Dedicated Political Liberal at the Same Time?” in Law without Nations, ed. Austin Sarat, Lawrence Douglas, and Martha Merrill Umphrey (Stanford: Stanford University Press, 2011), 185–231.

اكتشف المزيد

الخيال ومستقبل الأمّة

ديسمبر 21, 2025
صادق حامد

التشكيك في الخلافة

نوفمبر 25, 2025
د. عثمان بدر

قلب الموازين لصالحنا – الأمتيّة وحاجة المسلمين للتفاعل النقدي

أكتوبر 31, 2025
جوزيف كامينسكي

يبحث

يبحث

التنقل

ملتقيات أمّتكس
مجالات الاهتمام
أوراق بحثية
الاصدارات
عن أمّتكس
يبحث