شكر وتقدير
أعرب عن عميق امتناني للعديد من العلماء والأصدقاء الذين تكرّموا بقراءة مسوّدات سابقة من هذه الورقة، وقدّموا ملاحظات لا تُقدَّر بثمن. أخصّ بالشكر الدكاترة يوسف شهود، وعماد شاهين، وجوزيف كامينسكي، وعويمر أنجم، ومحمد السيد بشرى، وغيرهم، كما أدين بالشكر لزملائي في مؤسّسة أُمَّتِكس؛ فمن خلال الحوار المتواصل معهم تشكّلت الأفكار الواردة في هذا المقال ونضجت. ومع ذلك فإنني أتحمّل وحدي مسؤولية الآراء الواردة في هذه الورقة وما قد يشوبها من هفوات.
موجز
تُطوّر هذه الورقة مفهوم القوّة الناعمة الأُمّتيّة (ummatic soft power) بوصفه استراتيجية حيويّة لنهضة الأمّة المُسلمة وتعزيز تأثيرها العالمي. واستلهاماً لمفهوم جوزيف ناي (Joseph Nye) عن القوّة الناعمة (soft power)، تؤكّد الورقة أهمّية الجاذبية الثقافية، والقيادة الأخلاقية، والتأثير الفكري في تشكيل السرديّات والدفع بالمصالح الأُمّتيّة الجماعيّة. وتحدّد الورقة ثمانية مجالات رئيسية – الدِّين، والثقافة، والقانون، والتعليم، والاقتصاد، والرعاية الصحية، والإعلام، والتكنولوجيا – بوصفها مجالات تحضّر فيها القوة الناعمة وتُبسط. كما تقترح الورقة تشكيل شبكات لامركزية عابرة للأوطان – تعاونيّات القوة الناعمة الأُمّتيّة (Collaboratives of Ummatic Soft Power, CUSPs) – من أجل تعزيز التعاون بين البلدان والمجالات المختلفة. ويؤكّد هذا المقترح ضرورة كلٍّ من الاندماج الرأسي (vertical integration) – الربط بين النُّخب وعوام الناس – والاندماج الأفقي (horizontal integration) – توحيد المجتمعات المسلمة المتنوّعة – بوصفهما شرطين أساسيّين لبناء أمّة متماسكة. ومن خلال الاستناد إلى أمثلة مثل المقاطعة (consumer boycotts) والحراك الرقمي (digital activism)، تُبرز الورقة ما تختزنه الأمّة من تأثير كامن، وتدعو إلى تنسيق استراتيجي يحوّل هذه الإمكانات إلى تغيير مستدام ومؤثّر على الساحة العالمية، موجَّهٍ أخلاقياً ومؤسَّسٍ إسلامياً.
المقدّمة
تتمحور رؤية مؤسّسة أُمَّتِكس، كما عُرضت في الورقة التأسيسية للدكتور عويمر أنجُم «ما هي الأمتية»، حول إحياء الأمّة بوصفها حضارة عالمية تتجاوز الانقسامات التي فرضها نظام الدولة القومية الحديثة (modern nation-state system).1 وتقترح هذه الرؤية إعادة تخيّل الوحدة الإسلامية، لا بوصفها بنية سياسية فحسب، بل بوصفها، وصفاً أعمق، جماعة عالمية عضوية ومتكاملة فكرياً وثقافياً واقتصادياً. وتهدف هذه الورقة إلى استكشاف خطوة أولى حاسمة نحو التحقّق العملي لهذه الرؤية. فهي تعالج سؤالاً ذا أهمّية بالغة للأُمّتيّة: كيف تبدأ أمّة مجزّأة ومسلوبة القدرة في لملمة لحمتها لتغدو قوّة موحّدة قادرة على تشكيل مصيرها بنفسها؟
تتمثّل إحدى أكثر المسارات استراتيجيةً وقابليةً لتحقيق غاية الوحدة الأُمّتيّة في تطوير ما سأسمّيه «القوّة الناعمة الأُمّتيّة» (ummatic soft power)، بوصفها وسيلة لتنمية التأثير العالمي عبر الثقافة، والمعرفة، والاقتصاد، والقيادة الأخلاقية. إذا أرادت الأمة أن تصنع وحدة سياسية،فلا بدّ لها أن تطوّر أولاً قدرتها على تشكيل السرديات العالمية، والتأثير في المجتمعات، وبناء مؤسّسات فاعلة تفرض الاحترام والسلطة. وتجادل هذه الورقة بأنّ القوّة الناعمة (soft power) عنصر حاسم في هذه العملية، إذ تمثّل الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه حضارة إسلامية عادلة ومستقرّة ومزدهرة. وبعبارة أخرى، فإنّ تطوير القوّة الناعمة الأُمّتيّة وتوظيفها استراتيجياً شرط ضروري لازدهار الأمّة.
غير أنّ ذلك، بطبيعة الحال، ليس الشرط الوحيد؛ إذ ثمّة عناصر أخرى مطلوبة كذلك، مثل تنمية الوعي الأُمّتي (ummatic consciousness)، وتحقيق الاندماج الخطابي للأمّة (discursive integration)، وبناء مجال عامّ مشترك (public sphere)، وإدارة أفضل للاختلافات العميقة، ونحو ذلك.2 غير أنّ ما يميّز القوّة الناعمة أنّ الوعي المشترك، مع امتلاكه القدرة على الدمج والتأثير، يظلّ كامناً ما لم يُستنهض ويُعبّأ. فالقوّة الناعمة تتضمّن القدرة على تفعيل الإمكانات الكامنة لتشكيل السلوكيّات والمخرجات، وتقتضي الاستفادة من موارد الأمّة المتنوّعة بطرائق منهجية واستراتيجية، وتحتلّ استراتيجية تحويل هذه الموارد إلى تأثير فعلي موقعاً مركزياً في هذه الورقة. وبعد شيء من التنظير الأساسي لمفهوم القوّة الناعمة، وتعريف تجلّيه الأُمّتي، ستعتني الورقة، في متنها الرئيسي، بتقديم توصيات عملية موجّهة إلى الأمّة عالمياً: الشروع في بناء ثماني بنى تعاونية متخصّصة في مجالات محدّدة (domain-specific collaborative structures) للقوّة الناعمة الأُمّتيّة، وهي بنى ضرورية لتقدّم الأمّة وتكاملها وتثبيتها.
مفهوم القوّة الناعمة
في عصرٍ بات التأثير فيه يتحدّد على نحوٍ متزايد بالإدراك أكثر منه بالإكراه، أصبحت القوّة الناعمة (soft power) أداةً أساسية في تشكيل الديناميات العالمية. ويعرّف عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye)، الذي قدّم هذا المفهوم أوّل مرّة، «القوّة الناعمة» بأنها «القدرة على التأثير في الآخرين للحصول على النتائج التي يريدها المرء من خلال الجاذبية بدلاً من الإكراه أو الدفع».3 وخلافاً للقوّة الصلبة (hard power)، التي تعتمد على القوّة العسكرية والإكراه الاقتصادي، تعمل القوّة الناعمة من خلال الجاذبية الثقافية، والتأثير الأيديولوجي، والشرعية الدبلوماسية.
ومن منظور الدولة، تعمل القوّة الناعمة من خلال قدرتها على تشكيل تفضيلات الدول والمؤسّسات الأخرى وسلوكيّاتها، وذلك بجعل ثقافتها وقيمها السياسية وسياساتها الخارجية جذّابة. ويتحقّق هذا التأثير عبر عملية من خطوتين: أولاً، تخاطب القوّة الناعمة للدولة صاحبة التأثير الأفراد – من عوام الناس والنُّخب المؤثّرة – في البلدان الأخرى. 4 ثم قد يدفع انجذاب هؤلاء الأفراد إلى مُثُل تلك الدولة وممارساتها للدعوة، داخل حكوماتهم ومؤسّساتهم، إلى سياسات تنسجم مع سياسات الدولة صاحبة التأثير، أو إلى دعمها. وبذلك تؤثّر هذه الدولة، على نحو غير مباشر، في أفعال الحكومات الأخرى، لا من خلال الدفع أو الإكراه «العصا أو الجزرة»، بل من خلال قوّة الجاذبية والإقناع. وتُبرز هذه الآليّة الأهّمية الاستراتيجية للقوّة الناعمة في العلاقات الدولية، إذ تمكّن الدولة من تحقيق النتائج المرغوبة عبر تشكيل الديناميّات الداخلية للدول الأخرى من خلال الجاذبية الثقافية والأيديولوجية.
ومن اللّافت أنّ مفهوم القوّة الناعمة يمكن أن يمارسه أيضاً فاعلون دون الدول (non-state actors)، مع أنّ التنظير الأصلي لهذا المفهوم يلحق بسياق الدول وعلاقاتها الدولية. ففي المشهد العالمي اليوم، باتت طائفة واسعة من الفاعلين – بما في ذلك المنظّمات غير الحكومية، والشركات، والحركات العابرة للحدود، والشبكات غير الرسمية – قادرة بصورة متزايدة على ممارسة القوّة الناعمة.5 وتزداد أهمّية هذه المصادر غير الحكوميّة للقوّة الناعمة في عصر المعلومات العالمي، بل قد تتمايز عن أهداف السياسة الخارجية الرسمية للدول من خلال توظيف مواردها الخاصّة في صناعة السرديات والثقافة. ومع أنّ الدول لا تزال الأكثر تأثيراّ، فإنّ القدرة على تشكيل التفضيلات عبر الجاذبية باتت أيضاً من شأن المجتمع المدني، والشبكات الرقمية، والجماعات العابرة للحدود.6 ومع اتّساع انتشار أدوات المعلومات والاتّصال، لم تعد القوّة الناعمة حكراً على الوزارات والدبلوماسيّين؛ بل بات يمارسها على نحو متزايد صانعو السرديّات، والمبتكرون، والناشطون عبر الحدود.7
وتؤثّر الشبكات المنظَّمة جيّداً من الفاعلين دون الدول في النُّخب الحاكمة وعموم الشعوب على نحو يشبه، إلى حدّ بعيد، الطريقة التي تؤثّر بها الدول، وإن لم يكن بالدرجة نفسها. فمن خلال مبادرات مثل برامج تبادل الخبرات، والخلوات الفكرية (intellectual retreats)، والزمالات (fellowship)، والمؤتمرات العابرة للأوطان، تستطيع هذه الشبكات تشكيل تفكير صنّاع القرار المستقبليّين وولاءاتهم قبل وقت طويل من تولّيهم مواقع السلطة. وفي الوقت نفسه، يستطيع فاعلو المجتمع المدني، ومنتجو الإعلام، والحركات الشعبية تشكيل الرأي العام، وهو ما يقيّد بدوره الخيارات السياسية المتاحة للقادة الوطنيين أو يوسّعها. وبهذا المعنى، لا تكتفي الشبكات غير الحكومية المنظَّمة بتكميل الدبلوماسية الرسمية؛ بل باتت، على نحو متزايد، تحدّد البيئة الثقافية والأيديولوجية التي تُصاغ السياسات داخلها.
تعريف القوّة الأمّتيّة الناعمة
بالنسبة إلى العالم الإسلامي الذي واجه في العصر الحديث تجزئة سياسيّة وتهميشاً جيوسياسياً، تمثّل القوّة الناعمة نقطة انطلاق لبناء القدرة العالمية.8 فقد مارست الحضارة الإسلامية تاريخياً تأثيراً هائلاً، لا عبر الفتوحات العسكرية فحسب، بل أيضاً عبر القوّة الناعمة للمعرفة والثقافة والقِيَم، فشكّلت مجتمعات ممتدّة من غرب إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. ويتمثّل التحدّي اليوم في إعادة إثبات حضور أُمّتي منسّق في مشهد القوّة الناعمة العالمي، وهذا يقتضي مقاربة تدمج الأمّة «أفقياً»، من خلال تعزيز التعاون عبر الجغرافيات المختلفة داخل المجالات الرئيسية، و«رأسياً»، من خلال وصل الجماهير والنُّخب داخل هذه المجتمعات برؤية أُمّتيّة مشتركة للتجديد الحضاري الإسلامي.
في هذا السياق، يصبح سؤال مَن يمارس القوّة الناعمة – وباسم مَن، وعلى مَن – سؤالاً محورياً. فالقوّة الناعمة، حين تتأسّس داخل إطار أُمّتي، لا بدّ أن يمارسها الأفراد والمؤسّسات والشبكات الذين يرون أنفسهم أُمَناء على ميراث الأمّة الأخلاقي والفكري والروحي. وهؤلاء هم المسلمون ذوو التمكين العالمي (Globally Empowered Muslims, GEMs)، ويشملون العلماء، والفنانين، والمربّين، والدبلوماسيّين، وروّاد الأعمال، وغيرهم من فاعلي المجتمع المدني، ممّن لا تنعقد ولاءاتهم على مصالح الدول الضيّقة أو الكتل النخبوية، بل على الرسالة الأخلاقية والحضارية للإسلام.9 وتُمارَس قوّتهم الناعمة لصالح الأمّة في مجموعها: نصرةً لقضاياها، ودفاعاً عن حُرُماتها، وإسماعاً لصوت من أُسكتوا منها، ومرافعةً عن أكثر أبنائها استضعافاً، سواء في غزّة أو كشمير أو شينجيانغ أو الأحياء الفقيرة داخل المدن الغربية.
وتعمل هذه القوة الناعمة، في المقام الأول، في داخل الأمّة نفسها، من خلال التأثير في أفكار أصحاب السلطة والموارد وأُطُر تفكيرهم وتطلّعاتهم وخياراتهم، وكذلك في عوام الناس، فضلاً عن أصدقاء الأمّة وخصومها. وليست هذه الرؤية للقوّة الناعمة مجرّد رؤية تفاعلية أو دفاعية، بل هي رؤية توليدية: تصنع البدائل، وتبني القدرة، وتخفّف من حدّة الاختلافات الداخلية، وتعبّئ الموارد، وتقدّم الإسلام أفقاً أخلاقياً حياً للبشرية. وهي تقاوم في آنٍ واحد هيمنة الأنساق المعرفية الأجنبية (epistemes)، والتآكل الداخلي المتمثّل في الطائفية، والقومية، والاضطراب الأخلاقي. وبهذا المعنى، لا تغدو القوّة الناعمة مجرّد أداة استراتيجية، ولعل ذلك حدود هذا المفهوم في إطارها النيوليبرالي الأصلي (neoliberal framework)، بل تصبح أمانة مقدّسة؛ أداة رحمة، وصمود، وتجديد في خدمة الأمّة عالمياً.
ومن ثمّ، يمكن تعريف القوّة الناعمة الأُمّتيّة بأنّها قدرة الأمّة على التأثير في السلوكيّات والمعايير والسياسات العالمية من خلال الجاذبية الأخلاقية والثقافية للقِيَم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية. ويمارس هذا التأثير أساساً مجموعات ذاتية التنظيم من المسلمين ذوي التمكين العالمي، ممن يبادرون إلى توظيف شبكاتهم العالمية من أجل ترسيخ سياسات وسلوكيّات أُمّتيّة بين الجماهير والنخب. وبهذا المعنى، لا يقتصر مقصد القوّة الناعمة الأُمّتيّة على نقل الأفكار أو تشكيل الرأي العام، بل يتعدّى ذلك إلى التأثير في نتائج سلوكية ملموسة تنهض بالتكامل الأخلاقي والسياسي للأمة.
أمّا بالنسبة إلى النخب، فالنتيجة السلوكية المقصودة هي تبنّي سياسات تخدم المصالح الجمعية للأمة، وتعزّز حوكمة أخلاقية متجذّرة في المبادئ الإسلامية، وتسهم في تعميق التكامل عبر المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والنخب التي تعمل وفق هذه السياسات تغدو فاعلاً من فواعل التكامل الأُمّتي، تستمدّ مشروعيّتها من شعوبها ومن السلطة الأخلاقية للإسلام معاً. وأمّا بالنسبة إلى عموم الناس، فإنّ القوّة الناعمة الأُمّتيّة تسعى إلى تنمية تجلّيات حيّة للأخلاق الإسلامية في الأفراد والجماعات التي يعكس سلوكها والتزاماتها وإبداعها الرؤية الأخلاقية للإسلام. ويغدو هذا التجسيد العام نفسه نوعاً من «دعوة إلى الدين تتجلّى فيها القوّة الناعمة»، يجذب الآخرين من خلال الجمال الظاهر والاتّساق الداخلي لحياة يصوغها الإسلام. وإلى جانب ذلك، تُدعى المجتمعات المسلمة إلى رفض السرديّات التفريقية، سواء كانت طائفية أو عرقية أو قومية، وإلى تبنّي خطابات تكاملية وتعزيزها بما يرسّخ وحدة الأمّة ومسؤوليتها المتبادلة. وحين ينتشر هذا الانسجام السلوكي على نطاق واسع، فإنّه يخلق ضغطاً تصاعدياً من القاعدة على النخب، ويحفظ النظام الأخلاقي الذي يمكن للسياسات الأُمّتيّة أن تزدهر في ظلّه.
تأثير القوّة الناعمة في القوّة الصلبة
تقوّض القوّة الصلبة بصورة متكرّرة وجليّة القوّة الناعمة، فتدمير الجامعات والمواقع الثقافية وسجن الأصوات المناصرة لفلسطين وحجب السرديات المعارضة أمور حاضرة بوضوح في تدفّقات وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهي تذكيرٌ كاشف بكيفية قدرة قوّة الإكراه على قمع أسس التأثير أو تشويهها. غير أنّ هذه العلاقة تتحرّك كذلك في الاتّجاه المعاكس، فالقوّة الناعمة تستطيع أن تشكّل قرارات النخب الحاكمة التي تمارس القوّة الصلبة، من خلال التأثير في الطريقة التي ترى بها العالم، ومن ثم في السياسات التي تختار اتّباعها. ففي المجتمعات التي تملك فيها الجهات الفاعلة غير الحكومية هامشاً من الحركة، يمكن للقوّة المركّبة للإعلام، والتعليم، والخطاب الديني، والرسائل العامة، أن تغيّر تدريجياً نبرة الحياة السياسية. وحين يبدأ المزاج العام في التحوّل، يصبح من الأصعب على صنّاع السياسات تجاهل التوقّعات الجديدة، بل إنّ الحكومات المقاومة للضغط الخارجي قد تجد نفسها مضطرة إلى تعديل مسارها حفاظاً على مصداقيتها وسيطرتها.
وفي البيئات السياسية الأكثر انغلاقاً، حيث يكون المجتمع المدني مقيّداً، تتّخذ القوّة الناعمة أشكالاً ألطف وأخفى؛ فهي لا تعمل من خلال الخطاب العام، بل داخل الدوائر النخبوية، والشبكات الخاصة، وعمليات التكوين الثقافي والعلاقاتي طويلة المدى. وفي هذه السياقات، قد تحاول الدول السيطرة على أدوات القوّة الناعمة، فتؤطّر الدعاية بوصفها وطنية، أو القمع بوصفه استقراراً. ومع ذلك، تبقى موارد القوّة الناعمة حاضرة حتى في ظلّ هذه الشروط، فهي تظهر في الأدب، والإرشاد والتوجيه، والعمل الهادئ للعلماء، والفنانين، والمنظّمين. وحيث لا تستطيع بعدُ تغيير سلوك الدولة، فإنها تواصل تعزيز الوضوح الأخلاقي والإرادة الجماعية. وبهذا المعنى، تستطيع القوّة الناعمة أن تواصل عملها حتى في مواجهة قيود سياسية شديدة.10
ومن الناحية العملية، تعيش الأمّة اليوم داخل تركيبة متفرّقة من النظم السياسية، تشكّل كلًّا منها تواريخ وجغرافيات وتشكّلات قوّة متميّزة. وداخل هذه السياقات المتنوّعة توجد عتبات متفاوتة لما هو ممكن: فبعض البلدان تسمح بمساحات محدودة للمجتمع المدني والمبادرات المستقلّة، بينما تسحق بلدان أخرى هذه المساحات تحت وطأة أوامر السلطة أو التبعيّة الخارجية، أو كليهما. ومع ذلك، وعلى امتداد هذا المشهد المتشظّي، لا تزال بذور القوّة الناعمة الأُمّتيّة قائمة، وإن كانت مبعثرة وغير منسّقة. فمن شبكات الوقف المحلّيّة إلى المنصّات الإعلامية، ومن المؤسّسات الأكاديمية إلى الممرّات الإنسانية، ثمّة بنية تحتيّة للتأثير تتحرّك بالفعل، لكنّها لم تُنسّق بعد. وما نحتاج إليه هو تشخيص إقليمي، منطقةً بعد أخرى، يراعي هذه القيود والفرص المتفاوتة، ويصوغ استراتيجيّات ملائمة لكلّ سياق من أجل تنمية قوّة ناعمة قادرة على التفاعل المُجدي مع حقائق القوّة الصلبة التي تحدّد واقع الأمّة الراهن، ثم إعادة تشكيلها في نهاية المطاف.
إنّ الغاية النهائية للقوّة الناعمة الأُمّتيّة، في تعاملها مع النخب الحاكمة، هي التأثير في نتائج سلوكية تعزّز السياسات المنسجمة مع مزيد من الاندماج الأُمّتي والعمل على تنفيذها. ويتّجه هذا التأثير نحو تحوّلات سياسية قابلة للتطبيق، ونحو مواءمة عملية في بُنى الحَوْكَمة الإقليمية. فعلى سبيل المثال، قد تسعى هذه الشبكات إلى إقناع النخب بتبنّي سياسات مُمكِّنة للتكامل، مثل خفض الرسوم الجمركية، وتيسير التأشيرات، والاستثمار في البنية التحتية المشتركة. وقد تشجّع كذلك على المشاركة في مؤسّسات عابرة للأوطان – سواء في مجالات التمويل أو الإعلام أو الأخلاق – يمكن أن تؤسّس لحَوْكَمة تعاونية عبر المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. كما يمكن أن تسعى إلى تأمين إصلاحات قانونية وإدارية تيسّر التعاون العابر للحدود بين المؤسّسات الإسلامية. ومجتمعةً، يمكن لهذه الجهود أن تعمل في اتّجاه غاية استراتيجية: تهيئة شروط اندماج الأمّة وتوحيدها في كتلة سياسية واقتصادية وحضارية أكثر تماسكاً.
ولا بدّ هنا من قيدٍ توضيحي: فمع أنّ القوّة الناعمة تحمل إمكانات هائلة للتغيير، من خلال تشكيل التصوّرات، والتأثير في النخب، وتهيئة الشروط الملائمة للتحوّل، فإنّها تواجه كذلك حدوداً ملازمة حين تعمل من دون آليات الإنفاذ وقدرات الإكراه التي تمتلكها القوّة الصلبة، مثل القوّة العسكرية، والسلطة القانونية، والقدرة الحَوْكَمِيَّة. فالتغيير الاجتماعي التحويلي الذي تنشده الأمّة لا يمكن أن يعتمد على الجاذبية والإقناع وحدهما؛ بل يتطلّب تكاملاً استراتيجياً بين القوّة الناعمة والقوّة الصلبة لتحقيق أثر دائم، وهو تآزر يوصف بـ«القوة الذكية» (smart power).11 ومع ذلك، وحتى في غياب نفوذ مباشر مستند إلى القوّة الصلبة، تستطيع القوّة الناعمة أن تحقّق تقدماً معتبراً من خلال بناء الوضوح الأخلاقي، وتعزيز الإرادة الجماعية، وتحويل المشهد السياسي والثقافي تدريجياً. وعبر التنشئة المستمرّة للقيَم، وبناء التحالفات، وترسيخ القيادة الفكرية، تضع القوّة الناعمة الأساس الضروري للتحوّل البنيوي اللاحق، بما يجعلها قاعدة لا غنى عنها في المسعى الأوسع نحو اندماج الأمة ووحدتها.
تعاونيات القوّة الناعمة الأُمّتيّة (CUSPs)
إنّ ترجمة رؤية تطوير القوّة الناعمة الأُمّتيّة وتعزيزها إلى أثر عالمي مستدام تقتضي تنسيقاً استراتيجياً عبر آليات منظَّمة ومرنة في آنٍ واحد. وهذا يستدعي إنشاء ما يمكن أن نسمّيه «تعاونيات القوّة الناعمة الأُمّتيّة» (Collaboratives of Ummatic Soft Power, CUSPs)، وهي شبكات عابرة للحدود ولا مركزية (transnational, decentralized networks)، تعمل بوصفها عُقَداً تشغيلية (operational nodes) مصمَّمة لاستثمار القدرات المتنوّعة للأمّة عالمياً، وتوجيهها نحو تشكيل السرديّات والسياسات والمعايير العالمية.12
ولا بدّ أن تكون هذه التعاونيات أُمّتيّة التوجّه، متجذّرة في الثقافة الإسلامية، ومتشكّلة بوصفها تعبيراً جماعياً عن إرادة الأمّة، لا خاضعة لمصالح قبلية أو وطنية أو فصائلية. فهي ليست مشاريع علمانية ذات غايات دنيوية محضة، بل مساعٍ ذات ثقل أخلاقي ومقصد ديني، تُستنهض طاعةً لله سبحانه وتعالى وخدمةً لأمره بالأمر بالمعروف، وقول الحق، وبناء نظام عادل. ولهذا السبب، لا بدّ أن يكون العلم هو المرتكز الذي يقوم عليه كل جانب من جوانب عملها، كما لا بدّ أن يكون للعلماء، بوصفهم حملة التراث العلمي الإسلامي، دور إرشادي في ضمان سلامتها المعرفية والأخلاقية. وسيكون حضورهم ضرورياً، لا في تشكيل الطابع الأُمّتي لكلّ تعاونية فحسب، بل أيضاً في عمليّاتها الداخلية الخاصة بالتفكّر، والتصحيح، والتجديد.
وإلى جانب التوجّه الأُمّتي، يضمن البناء اللامركزي لهذه التعاونيات استمرارية طويلة الأمد وقدرة على الصمود، بما يمنع الارتهان لأي مؤسّسة أو سلطة واحدة. وينبغي أن تكون ممثِّلةً لاتساع جغرافية الأمّة وتنوّع قطاعاتها، بحيث تتيح إدماج الرؤى الإقليمية المختلفة، والخبرات المهنية، والغنى اللغوي والثقافي. كما لا بدّ أن تُحصَّن تعاونيات القوّة الناعمة الأُمّتيّة بروح التعاون والعمل المشترك. فبدلاً من تجنّب الخلاف، يجب أن تكون هذه التعاونيات قادرة على إدارة الاختلافات العميقة بروح جامعة، عبر اعتماد إجراءات جامعة وأساليب تشاورية منضبطة بالمبادئ، تفسح المجال للاختلاف المشروع، مع الحفاظ على الهدف الجماعي والالتزام بالأخلاق والشريعة الإسلامية. وأخيراً، لحمايتها من الانحراف عن رسالتها أو الاحتواء، يجب أن تُصمَّم هذه التعاونيات بحيث تكون قابلة للتصحيح الذاتي (self-correcting)، وينبغي أن تُدرج في بنيتها آليّات داخلية للمراجعة والمحاسبة تستند إلى النقاش الأخلاقي والمراجعة العلمية معاً.
وكلّ ذلك أسهل قولاً منه فعلاً، فالتنسيق الطَوعي بين أفراد ومؤسّسات وشبكات متنوّعة أمر معقّد وشاق، ويمكن للاختلافات في الأولويات، وأنماط التفكير، والسياقات الإقليمية أن تعوّق التعاون، كما أن الحفاظ على الثقة والمحاسبة يتطلب جهداً مستمراً. ويقتضي التعاون الفعّال بُنى حَوْكَمَة عملية وإدارةً للخلاف تمكّن من التعامل مع الاختلافات من غير تفتيت للوحدة. إنّ الإقرار بهذه التحدّيات ومعالجتها أمر ضروري لترسيخ رؤية تعاونيات القوّة الناعمة الأُمّتيّة في الوقائع العملية، لا في التمنّي. ومع ذلك، فقد حقّق غيرنا نتائج معتبرة من خلال التنسيق المنظَّم جيداً. وإذا كان غير المسلمين قادرين على ذلك، فالمسلمون، وهم مدفوعون بتكليف إلهي ومؤيَّدون بالتوفيق الرباني، أَوْلى بأن يفعلوا ما هو أفضل.
وستؤدّي هذه التعاونيات أربع وظائف رئيسية: ١) تحديد الأهداف الاستراتيجية في قطاعاتها المختلفة، على أساس المقتضيات الأخلاقية للإسلام وحاجات الأمّة عالمياً؛ ٢) تقييم مشهد القوّة الناعمة الأُمّتيّة الراهن من أجل تحديد الفرص والثغرات؛ ٣) صياغة توصيات وتدخّلات قابلة للتنفيذ؛ ٤) بناء شبكات من الثقة والتعاون بين الأفراد والمؤسّسات الملتزمة بالتجديد الأُمّتي. ومن خلال مأسسة هذه التعاونيات، يمكن للأمّة أن تبدأ في العمل باتّساق استراتيجي، وأن تُبرز حضوراً أخلاقياً وفكرياً على الساحة العالمية، حضوراً يتولّد من داخلها وتغذّيه قوّتها الذاتية، بدلاً من أن يعتمد على الدول القومية أو على الاعتراف الخارجي.13
مجالات القوة الناعمة: إطار لاستراتيجيّة أُمّتيّة
الأَوْلى أن تُفهم القوّة الناعمة الأُمّتيّة لا بوصفها مجموعة من القطاعات المعزولة، بل بوصفها بنية مركّبة ذات ثلاثة مستويات: التأسيس، والصياغة، والإشعاع. فهي تبدأ بالتأسيس (foundation) وفق رؤية كونية (worldview) متجذّرة في الوحي، والمبادئ الأخلاقية، والهوية المشتركة، ثم تنتقل من هناك إلى الصياغة (formulation)، حيث تُترجم هذه الرؤية الكونية إلى لغة المؤسّسات، وتتجلّى في القانون، والتعليم، والاقتصاد، والرعاية العامة، وتصل أخيراً إلى الإشعاع (projection)، وهو مجال النشر والتداول، حيث تُنقل الأفكار عبر الجماعات والحدود من خلال الإعلام، والسردية، والتكنولوجيا.
وفي هذه البنية، نميّز بين القوّة الناعمة الكامنة (potential soft power) – أي الجاذبية الذاتية للمعاني أو المؤسّسات الإسلامية – والقوّة الناعمة الفعلية (actual soft power)، التي لا تنشأ إلا حين تُلهِم تلك الجاذبية الإعجاب، أو التقليد، أو المشاركة. ومن ثمّ، فالقوّة الناعمة ليست مجرّد حضور للمعنى؛ بل هي معنى يتحرّك ويعيد تشكيل التصوّرات ويفضي في نهاية المطاف إلى تغيير السلوك عبر المجتمعات والدول.
ولكي تنتقل الأمّة من القوّة الناعمة الكامنة إلى القوّة الناعمة الفعليّة، لا بدّ أن تقدّم الإسلام لا بوصفه حقاً فحسب، بل بوصفه جميلاً، ونافعاً، ومحرِّراً في حياة الأفراد والمجتمعات. وتمثّل المجالات الثمانية التالية – الدين؛ والثقافة والفنون والرياضة؛ والقانون؛ والتعليم والنشاط الفكري؛ والاقتصاد والأعمال؛ والرعاية الصحية والعمل الإنساني؛ والإعلام والسردية؛ والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي – ساحات رئيسية يمكن من خلالها تنمية القوّة الناعمة الأُمّتيّة، وتوجيهها، وتعبئتها. ويؤدّي كلّ مجال منها دوراً متميّزاً في تشكيل التصوّرات، والتأثير في القرارات، واجتذاب القلوب والعقول، سواء بين جماهير المسلمين أو نخبهم.14
۱. الدين
تُعدّ القوة الناعمة الدينية (religious soft power) المصدر التأسيسي الذي تنبثق منه كلّ قوّة ناعمة أُمّتيّة، فالإسلام ليس مجرّد منظومة من القيم الكونية أو المشاعر الروحية؛ بل هو دين شامل يتخلّل كل مجال من مجالات النشاط الإنساني. فهو يقدّم رؤية كونية متماسكة، ومنظومة أخلاقية مُلزِمة، وإطاراً شرعياً وأخلاقياً منزّلاً من الوحي، ينظّم سلوك الفرد، والعلاقات الاجتماعية، وبناء المؤسّسات، والشؤون الدولية. وما يميّز القوّة الناعمة الأُمّتيّة عن النماذج العلمانية أو النيوليبرالية أنها لا تتأسّس على المُثُل السياسية، أو «المصلحة الوطنية»، أو الجاذبية الثقافية وحدها، بل على الوحي الإلهي. وحين يُمارَس الإسلام ممارسةً أصيلة، فإنه يجذب الناس بوضوحه الأخلاقي واستقامته الروحية، كما يهدي الحكّام بقيود أخلاقية وشرعية دينية. وتبثّ القوّة الناعمة الدينية الحياة في كل مجال آخر من مجالات التأثير الأُمّتي؛ فهي تمنح التعليم هدفاً أخلاقياً، وتضع للإعلام حدوداً أخلاقية، وتُضفي على القانون عدلاً، وتمنح التكنولوجيا والاقتصاد غايةً موجِّهة (telos). ومن دونها، يوشك المشروع أن يغدو تقنياً أو منزوع الروح؛ وبها، يتحوّل كل مجال إلى فعل عبادة، وصورة من صور الدعوة، ومساهمة في التكليف الأُمّتي بالشهادة على البشرية.15
۲. الثقافة والفنون والرياضة
يوفّر الدين الأساس المعياري (normative foundation)، إذ يقدّم رؤية كونية مستلهمة من الوحي الإلهي (divinely revealed worldview) تشمل الشريعة، والأخلاق، والغاية، والمساءلة النهائية، وهو مصدر الشرعية، والمعنى، والاتّساق في جميع مجالات الحياة. في المقابل، تشكّل الثقافة التعبير المتجسّد عن تلك الرؤية الكونية، إذ تُظهر كيف تُعاش الهداية الإلهية وتُتَناقل عبر الجماليات، والسلوك، والرموز. ويمنح التعبير الثقافي القِيَم الدينية شكلاً ووجداناً من خلال الأدب، والفنّ، والسينما، والعمارة، والرياضة. وقد وسّعت الحضارات تأثيرها منذ زمن طويل من خلال تصدير قصص ورموز آسرة، كما يظهر في الأثر العالمي لهوليوود أو الإعلام الكوري الجنوبي. وفي سياق الأمّة، أسهمت أعمال ثقافية مثل الدراما التاريخية التركية «قيامة أرطغرل» (Diriliş Ertuğrul) في إحياء الوعي التاريخي، وقدّمت بدائل قوية للسرديّات الغربية المهيمنة.16
وكثيراً ما يغدو الرياضيون المسلمون الذين يجسّدون الانضباط، والتواضع، والتديّن، رموزاً للتفوّق الأخلاقي في الساحة العالمية. ويبقى محمد علي أحد أبرز النماذج الأيقونية في هذا الباب، إذ استخدم منصّته لا لمناهضة الظلم فحسب، بل كذلك لتمثيل الإسلام علناً أمام العالم. وفي الآونة الأخيرة، استَرْعَت شخصيّات مثل حبيب نورمحمدوف (Khabib Nurmagomedov) في الفنون القتالية المختلطة (mixed martial arts)، وساديو ماني (Sadio Mané) في كرة القدم، اهتماماً عالمياً من خلال إيمانها المعلن، واستقامتها، وخدماتها للآخرين.17 ويتحدّى سلوك هؤلاء الصور النمطية السائدة، ويقدّم صورة مقنعة عما يعنيه أن يكون المرء مسلماً ومنافساً في أعلى المستويات في آن واحد. وبالنسبة إلى الأمّة، يظلّ التمييز بين الدين والثقافة بالغ الأهمية: فمن دون الدين، تخاطر الثقافة بأن تغدو بلا مرتكز أو تتحوّل إلى سلعة، ويمكن لاستراتيجيّة ثقافية واعية متجذّرة في الأخلاق الإسلامية أن تنشئ نظاماً عالمياً من السرد، والجماليّات، والأداء الفنّي، يجعل تعاليم الإسلام مرئيّة، وجاذبة، وقادرة على التحويل في المخيال العالمي.
۳. القانون
بخلاف المجالين السابقين، ينتمي القانون إلى مجموعة المجالات المهنية التي تتجلّى من خلالها الرؤية الكونية الإسلامية داخل المؤسّسات والحياة العامة. فالتقليد القانوني الإسلامي ليس مجرد مدوّنة دينية للحياة الخاصة، بل هو نظام أخلاقي قانوني شامل حكم الحضارة الإسلامية وشكّلها، ولا يزال يقدّم اليوم نموذجاً عميق الصدى لتنظيم الحياة العامة.
وبالنسبة إلى الفقهاء والباحثين القانونيين المسلمين، تفتح القوّة الناعمة القانونية (legal soft power) مجالاً لاستعادة القيادة الفكرية في مسائل القانون والعدل، محلّياً ودولياً. فعلى المستوى الداخلي، تتمثّل القوّة الناعمة القانونية الأُمّتيّة في صياغة نمط حياة يعكس التزامات الأمّة الإيمانية، ويغدو القانون وسيلة لمواءمة الحياة اليومية مع القصد الإلهي، سواء في مسائل الأحوال الشخصية، أو التجارة، أو الحوكمة، أو السلوك الدولي. وتؤكّد استطلاعات الرأي المتتالية أنّ المسلمين في بلدان متعدّدة عبر آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط يؤيّدون، بأغلبية كبيرة، أطراً قانونية قائمة على الإيمان ومتجذّرة في تعاليمهم الدينية.18 أمّا دولياً، فثمّة حاجة إلى صياغة مبدئية لأطر قانونية إسلامية تعالج تحدّيات معاصرة مثل الهجرة، واللامساواة الاقتصادية، والحرب، والحقوق الرقمية، لا من أجل المسلمين وحدهم، بل بوصفها إسهامات في النقاشات القانونية والأخلاقية العالمية. وهذا هو الاختبار الحقيقي للقوّة الناعمة: ألا يُكتفى بالتسامح مع النموذج الإسلامي، بل أن يُطلب؛ ولا أن يكون مألوفاً فحسب، بل مؤثّراً في تشكيل المعايير العالمية.
وبالنسبة إلى المهنيّين القانونيّين المسلمين، ولا سيّما في مجال القانون الدولي (international law)، ثمّة مساران متكاملان لتوظيف القوّة الناعمة القانونية الأُمّتيّة. أولاً، يمكنهم إدخال المنطقيات الإسلامية في الخطاب القانوني الأوسع، وهذا يوسّع المشهد المعياري (normative landscape) للقانون الدولي، ويتحدّى حدوده العلمانية. ثانياً، يمكنهم العمل داخل الأطر القانونية العلمانية القائمة بقدر عالٍ من النزاهة والاتساق، بما يكشف تناقضات تلك الأنظمة وازدواجيّاتها. وتمثّل قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية مثالاً لافتاً،19 فقد قاد هذا الطعن القانوني، جزئياً، محامون مسلمون من جنوب إفريقيا ولم يستدل بالإسلام مباشرة. لكنه مع ذلك عكس قيماً إسلامية في العدل، وحماية الحياة، والمساءلة. وبذلك وجّه أدوات القانون الدولي ضد منفّذيها الانتقائيين، كاشفًا خواء المعايير «الكونية» حين تُطبّق على نحو غير متكافئ. وحين يبرهن المسلمون أنهم قادرون على تشكيل أعلى مستويات الخطاب القانوني لا خوضها فحسب، يعاود التراث القانوني الإسلامي الظهور بوصفه صوتاً حضارياً جاداً، قادراً على التأثير في الطريقة التي يعرّف بها العالم العدل نفسه.
٤. التعليم والنشاط الفكري
تُعدّ القوّة الناعمة التعليمية والفكرية (educational and intellectual soft power) قناةً رئيسية تتشكّل من خلالها رؤية الإسلام الكونية، سواء في بناء الاتّساق الداخلي في الأمّة أو في التأثير الخارجي في الفكر العالمي. ولا يقتصر هذا المجال على مؤسّسات التعلّم، بل يمتدّ إلى المشروع الأعمق لإنتاج المعرفة (knowledge production): أي تطوير الأطر المفهومية، ومجالات البحث، وأنماط التحليل التي تعكس التقليد الفكري الإسلامي وتتردّد أصداؤها خارجه.
وبالنسبة إلى المجتمعات المسلمة، فإنّ التعليم المتجذّر في هذا النموذج ينمّي الالتزام بالتنمية الحضارية، ويغرس إحساساً عميقاً بالمسؤولية الجمعية، وغايتُه تكوين أفراد ينتجون المعرفة ويوظّفونها في خدمة الأمّة والإنسانية عامّة. والمناهج التي تتشكّل بهذه الرؤية تُعِدّ المسلمين للإسهام عبر التخصّصات المختلفة بوصفهم مفكّرين مبدعين ذوي أسس أخلاقية. أما بالنسبة إلى العلماء والباحثين والأكاديميين والمربّين المسلمين، فالمهمّة المركزية هي قيادة هذا المشروع المعرفي، ويتمثلّ دورهم في حفظ العلوم الموروثة، وبناء مجالات ومناهج جديدة للبحث ترتكز على الإسلام وتتّصل بالتحدّيات المعاصرة في آنٍ واحد. والغاية هي إنتاج أفكار وأطر تسهم في تشكيل التطوّر الداخلي للأمّة، وتكتسب في الوقت نفسه حضوراً في الخطاب الأكاديمي والسياسي العالمي، ويشمل ذلك تطوير الأسس النظرية والمعرفة العملية اللازمة لتعزيز التضامن الأُمّتي والتكامل السياسي والاقتصادي والفكري.
ومن النتائج طويلة المدى لهذا النظام المعرفي تكوين طبقة مسلمة مساهمة، تنشأ من هذه البيئة الفكرية وتكون مؤهَّلة لخدمة الأمّة والإنسانية. ومن بين هذه الطبقة من يغدو من نخب المستقبل: دبلوماسيين، وتكنوقراط، ومربّين، وقادة فكر يحملون رؤية الإسلام الكونية إلى المؤسّسات التي تشكّل الحياة العامة. واليوم، يتمثّل التحدي في إعادة إنشاء شبكة متكاملة من الجامعات، ومراكز التفكير والمعرفة الأُمّتيّة، تكون قادرة على دفع الإسهامات الفكرية الإسلامية في معالجة التحديات العالمية الحديثة، من أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (AI ethics) إلى الاقتصاد السياسي (political economy). وفي هذا المسعى، تبرز برامج التبادل والزمالات بوصفها أدوات للقوّة الناعمة، إذ تبني علاقات طويلة الأمد مع نخب المستقبل، وتنقل النماذج (paradigm)، وتغرس اصطفافاً عابراً للأوطان متجذّراً في رؤية مشتركة.
٥. التجارة والأعمال
تكمن القيمة الاستراتيجية للقوّة الناعمة الاقتصادية (economic soft power) في تعزيز التعاون وبناء القدرة عبر المجتمعات المسلمة، وكذلك في تقديم بديل مبدئي للنماذج العالمية المهيمنة. وتقع هذه المهمة على عاتق جيل جديد من الاقتصاديين والمستثمرين وروّاد الأعمال المسلمين، ولا بد أن يثمر تعاونهم مع العلماء والمؤسسات التعليمية رؤية اقتصادية مقنعة، تراعي المساءلة أمام الله سبحانه وتعالى وفي الدنيا، والرعاية المتبادلة، والمراعاة البيئية، والكفّ عن الإسراف، لا نماذج تقنيّة فحسب. وحين تُعاش هذه الرؤية بنزاهة، فإنها تغدو مصدراً للسلطة الأخلاقية ومحل إعجاب عام.
وعلى المستوى الحكومي، لا بدّ لهؤلاء الفاعلين أن يدفعوا باتجاه تحوّلات سياسية تؤكّد المبادئ الاقتصادية الإسلامية. وحين تُقدَّم هذه المقترحات بصرامة تقنية ووضوح أخلاقي، فإنها تمكّن الدول من التوافق مع القيم الأُمّتيّة من غير التضحية بالتنمية. أما بين عوام الناس، فينبغي أن يغدو نموذج رجل الأعمال المسلم الأخلاقي – الصادق، والسخي، والملتزم – رمزاً عالمياً للنزاهة الاقتصادية، وعبر الثقافات المختلفة، تبرهن هذه النماذج على أن المبادئ الإسلامية ليست عوائق أمام النجاح، بل هي أساسه. ومن خلال إرساء الاقتصاد الأخلاقي للإسلام في الكون، تجعل القوّة الناعمة الاقتصادية الأُمّتيّة السعي إلى الثروة طريقاً إلى التكامل، لا إلى التفكّك.
٦. الرعاية الصحية والعمل الإنساني
يُعدّ حفظ النفس من مقاصد الشريعة، ولا تمثّل كرامة الحياة في الشريعة الإسلامية مجرّد تطلّع أخلاقي، بل أولوية فقهية وعقدية تؤسّس مشروعية الفعل الاجتماعي والسياسي والمؤسّسي. وفي سياق القوّة الناعمة الأُمّتيّة، يوفّر هذا المبدأ أساساً قوياً للتعاون العابر للحدود في تقديم الرعاية الصحية والإغاثة الإنسانية، كما يمدّ الأمّة بسردية عميقة الصدى تستطيع من خلالها أن تُبرز سلطتها الأخلاقية محلّياً وعالمياً.
ويعتمد توظيف القوّة الناعمة في هذا المجال على شبكات عابرة للأوطان من الأطبّاء، وخبراء الصحة العامة (public health)، ومنظّمات الإغاثة، والمناصرين السياسيّين، ممّن يلتزمون بالأمر القرآني بحفظ الحياة ورفع المشقّة، ويبرهن عملهم على التطبيق العملي للأخلاق الإسلامية في ظروف الأزمات والقيود. ومنذ زمن طويل، بيّنت مؤسّسات ذات اعتراف دولي، مثل منظّمة أطبّاء بلا حدود (Médecins Sans Frontières/Doctors Without Borders)، كيف يمكن للفاعلين دون الدول في مجال الطب (non-state medical actors) أن يمارسوا قوّة ناعمة معتبرة من خلال إعطاء الأولوية لصون كرامة الحياة الإنسانية. كما برز العاملون المسلمون في الرعاية الصحية بوصفهم رموزاً قوية للالتزام الأخلاقي، ولا سيما أولئك الذين عرّضوا حياتهم للخطر من أجل رعاية الجرحى في غزة خلال الإبادة الجارية. وقد غدت أفعالهم صورة من صور الشهادة الأخلاقية، إذ قدّمت تبايناً صارخاً مع الصمت الجيوسياسي لكثير من الدول، وأعادت تشكيل التصوّرات العالمية للمخاطر الأخلاقية في هذا الصراع.
وعلى مستوى النخب الحكومية، يستطيع العاملون الأمّتيون في الرعاية الصحية والعمل الإنساني التأثير في السياسات من خلال: ١) إثبات قابلية بناء بنية تحتية طبية تعاونية؛ ٢) ترسيخ توقعات معيارية (normative expectations) بشأن مسؤولية الدولة عن حماية الحياة عبر الحدود. وتشمل هذه المبادرات الدعوة إلى الشراء المشترك للأدوية، وتنسيق بروتوكولات الاستجابة الطارئة، وبناء شراكات طبية تعليمية عابرة للحدود. كما أن حضور تدخّلات فعّالة وموجَّهة بالقيم يفرض ضغطاً على الحكومات لدعم هذه الجهود أو محاكاتها، ولا سيما حين يكون الإعجاب العام بهؤلاء مرتفعاً.
٧. الإعلام والسردية
الإعلام والسردية هما المستوى الثالث من القوّة الناعمة الأُمّتيّة، حيث يشكّلان أسس الإشعاع (projection infrastructure) التي تُنقَل من خلالها الرؤية الإسلامية الكونية وتجلّياتها المؤسّسية عبر الجماعات والأجيال والجغرافيات. فإذا كان الدين والثقافة يشكّلان المركز، وكانت المجالات المهنية تُفصح عن هذا المركز في العالم، فإنّ الإعلام يحدّد من يسمعه، ومن يراه، ومن يتذكّره. فهو ليس ملحقاً بالقوّة، بل ناقل أساسي تتشكّل من خلاله الشرعية، والهوية، والخيال.
وخلافاً للسيطرة المركزية التي يمارسها الإعلام الحكومي التقليدي، لا بد أن تُبنى القوّة الناعمة الأُمّتيّة في هذا المجال عبر شبكات لامركزية لكنها تعاونية من منتجي المحتوى، والصحفيين، والاستراتيجيين، وصنّاع السرديات. وقد تشمل هذه الشبكات استوديوهات لإنتاج السرديات (narrative production studios) تصوغ محتوى سينمائياً ووثائقياً؛ ومنصّات مستقلّة للأخبار والتحليل تقدّم أطراً جيوسياسية وأخلاقية؛ ومراكز للبودكاست تعمّق التكوين الفكري؛ ومعاهد تدريب إعلامي تُنشئ إعلاميين ملتزمين بالقيم؛ ومنصّات رقمية تتجاوز البنى التحتية المعادية من أجل رفع أصوات المسلمين. وتعمل كل مؤسسة على نحو مستقل، لكنها تصطف مع رؤية أُمّتيّة مشتركة ملتزمة بالأخلاق الإسلامية والتجديد الحضاري.
ويحدّد التأطير السردي (narrative framing) المفردات الأخلاقية لصناعة السياسات: فحين يُسمّى الحصار إبادةً جماعية، وحين تُؤطَّر المقاومة بوصفها عزة، وحين يُعرَّف الاحتلال بمفردات قرآنية، يتغيّر المشهد السياسي. فالنُّخب لا تُدفَع بفعل المزاج العام فحسب، بل تُحاسَب على نحو متزايد وفق الأطر الأخلاقية التي تجعلها النظم الإعلامية مألوفة ومقبولة. أما بالنسبة إلى عوام الناس، فإن الإعلام يشكّل لديهم الانتماء، والطموح، والوضوح الأخلاقي. فهو يقاوم عُقد النقص، ويقوّض السرديات الطائفية، ويبني مخيالاً مشتركاً لا تكون فيه الأمّة مجرّد جهة تفاعلية، بل فاعلاً منخرطاً في العالم على نحو إبداعي. وبهذا المعنى، يغدو صانع السردية المسلم الأخلاقي، أو الصحفي، أو المخرج السينمائي، نموذجاً أُمّتياً جديداً.
٨. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
مع أنّ الخطاب الحديث كثيراً ما يقدّم التقدّم العلمي بوصفه عملية خالية من القيم، فإنه في الحقيقة موجَّه بافتراضات كامنة – عن الغاية، والقيمة، وحال الإنسان. ففي ظلّ الرأسمالية، أعطى المنطق المهيمن الأولوية للابتكار بوصفه أداة للسيطرة، والاستحواذ، والربح، وغالباً ما فُصل عن الضوابط الأخلاقية أو الغيبية. وفي المقابل، يتجذّر النموذج الإسلامي للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي في مبدأي الاستخلاف والعبادة: طلب العلم لعبادة الله سبحانه وتعالى على نحو أفضل بوصفنا خلفائه في الأرض.
ومن ثمّ، لا بدّ أن تنهض القوّة الناعمة الأُمّتيّة في هذا المجال بما هو أبعد من مجرّد إضافة الأخلاق إلى النظم القائمة، فتعمل على تطوير الأطر الفكرية الإسلامية وتطبيع حضورها في توجيه كيفية طرح الأسئلة العلمية والتكنولوجية، وتفسيرها، وتشغيلها. ويشمل ذلك مقاربات للرعاية البيئية، والتكنولوجيا الحيوية (biotechnology)، وحَوْكَمَة البيانات (data governance)، والذكاء الاصطناعي (artificial intelligence). وفي كل حالة، ليس السؤال ببساطة: «ما الذي يمكن فعله؟»، بل: «ما الذي ينبغي فعله؟»، وبشروط مَن، ولأي غايات؟
وعلى المستوى العملي المباشر، تقتضي القوّة الناعمة الأُمّتيّة إنشاء بنية تحتية تكنولوجية مستقلّة – حزمة تقنية أُمّتيّة لامركزية (Ummatic Tech Stack) – قادرة على خدمة حاجات الأمّة العالمية في التواصل، والأمن، والبيانات، والمعرفة. واليوم، تتمركز كل طبقة من طبقات التبعية التكنولوجية، من الطبقة المادّية (physical layer) إلى طبقة التطبيقات (application layer)، داخل دول مكّنت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من تدمير الحياة أو برّرت ذلك، وتسعى إلى تكميم الأفواه المناهضة للظلم، وتقمع الأصوات النقدية أو تسقط شبكات كاملة في لحظة الحاجة القصوى إليها.20 لذلك، فإنّ أيّ استراتيجية موثوقة للقوّة الناعمة تتطلّب بناء بنية تحتية رقمية آمنة ذات سيادة، تسترشد بالقيم الإسلامية وتملك القدرة على الصمود في وجه الإكراه الخارجي.
وليست المخاطر ألطف بأي حال في مجال الذكاء الاصطناعي، ، فنُظُم الذكاء الاصطناعي باتت تتحكّم على نحو متزايد في الإدراك، والمعرفة، وصناعة القرار، بل وحتى إنفاذ القانون. ومن دون إدخال استباقي للأطر الأخلاقية الإسلامية، لن تفعل هذه التقنيات سوى إعادة إنتاج أنماط الاستغلال والتآكل الأخلاقي العالمية وتسريعها. ولذلك لا بد أن تعمل القوّة الناعمة الأُمّتيّة على ثلاث جبهات: ١) تطوير تصوّرات إسلامية رصينة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛ ٢) التأثير في الخطاب العالمي بحيث تُرى هذه التصوّرات بوصفها جاذبة وقابلة للتطبيق؛ ٣) تطبيقها في تقنيّات فعليّة، عبر مختبرات بحثية أُمّتيّة، ومعايير أخلاقية، ومنصّات عملية للذكاء الاصطناعي.
ولا يتحقّق مثل هذا التأثير بمجرد النقد، بل من خلال تقديم بدائل قابلة للحياة. فلا بدّ للتقنيين، والأخلاقيين، والمصمّمين المسلمين أن ينشئوا أنظمة تُظهر ما يعنيه أن تكون التكنولوجيا في خدمة الكرامة الإنسانية، والتوازن البيئي، والمقاصد الإلهية. ومع مرور الوقت، سيضع ذلك الأمّة لا بوصفها متلقّية متأخّرة للتيارات التكنولوجية العالمية، بل بوصفها مصدراً للهداية الحضارية في عصرنا ذي التحولات العميقة.
اتجاهات الاندماج الأمتّي
كما سبق، فإنّ غاية القوّة الناعمة هي التأثير في المخرجات السلوكية، ويمكن فهم هذا النمط من التأثير بوصفه عاملاً عبر ثلاثة أبعاد: نطاقه (scope) – أي من يؤثّر في من – ومجاله (domain) – أي المجالات التي يُمارَس فيها التأثير – ووسيلته (means) – أي الكيفية التي يتحقّق بها ذلك التأثير.21 ولكي تُبنى أمّة موحّدة وذات أثر، لا بدّ أن تُطبَّق القوّة الناعمة الأُمّتيّة على محورين متكاملين من محاور التكامل، بحسب النطاق:
الاندماج الرأسي (Vertical Integration): ويعني التأثير في النخب وعوام الناس معاً. فمن جهة، تسعى القوّة الناعمة إلى التأثير في النخب داخل الأمّة من خلال التشجيع على مخرجات محدَّدة، مثل تبنّي توصيات سياسية أُمّتيّة، وتعزيز الحَوْكَمَة الأخلاقية، وتقوية الروابط المؤسّسية التي تعكس مبادئ إسلامية مشتركة. ومن جهة أخرى، تسعى إلى التأثير في عوام الناس نحو معرفة إسلامية أعمق، والانسجام مع المصالح الأُمّتيّة، ورفض السرديّات الزائفة أو التفريقية. ويضمن التكامل الرأسي استبطان القيم والأهداف الأُمّتيّة عبر جميع مستويات المجتمع، من القيادة إلى المواطنين العاديّين.
الاندماج الأفقي (Horizontal Integration): ويعني الربط بين المجتمعات المسلمة عبر البلدان والثقافات والحدود اللغوية، من خلال تنمية شعور مشترك بالغاية، والهوية، والرؤية الأخلاقية. ويمكّن الاندماج الجغرافي الأمّة من جمع مواهبها المتنوعة، بما يجعل الفعل الجماعي والاستراتيجي على الساحة العالمية ممكناً. ومن خلال تعزيز الوحدة عبر التنوّع، يحوّل التكامل الأفقي الجهود المتفرّقة إلى قوّة ناعمة متماسكة وعابرة للأوطان.
وخلافاً للدول القومية التي غالباً ما توظّف القوّة الناعمة بوصفها استراتيجية حكومية من أعلى إلى أسفل، ينبغي أن تكون مقاربة الأمّة للقوّة الناعمة لامركزية وعضوية. وسيسمح نموذج التنظيم الذاتي (self-organizing model) لمختلف الفاعلين دون الدول، بمن فيهم العلماء، والمؤثّرون الثقافيون، والمؤسّسات التعليمية، ومنظّمات المجتمع المدني، بالإسهام في استراتيجية متماسكة للقوّة الناعمة. وتضمن هذه المقاربة القاعدية (grassroots approach) أن يعكس إبراز القوّة الناعمة، على نحو أصيل، الإرادة المتنوّعة والموحّدة في آن واحد للجماعة المسلمة عالمياً.
تنسيق طبقات القوّة الناعمة الأُمّتيّة لتحقيق أكبر أثر
حتى من دون استراتيجية مشتركة، فإنّ الحجم الهائل للقوّة الناعمة للأمّة وتأثيرها قد ظهرا بوضوح في أحداث عالمية حديثة. فقد كشفت مقاطعات الشركات متعدّدة الجنسيات مثل ستاربكس (Starbucks) وكنتاكي (KFC)، وكذلك التعبئة الرقمية لمواجهة القمع الخوارزمي (algorithmic suppression) للسرديّات الفلسطينية، عن القدرة الكامنة للتأثير الأُمّتي. ولم تكن هذه الأفعال تقودها الدول، ولا نتيجة استراتيجية مخطَّط لها مسبقاً؛ بل كانت تعبيرات تلقائية عن الإرادة الأُمّتيّة – إثباتاً عضوياً، لكنه قوي، للقدرة على الفعل.
لم تكن مقاطعات ستاربكس وكنتاكي مجرّد احتجاجات رمزية؛ بل تُرجمت إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس. وتشير تقارير إلى أنّ ستاربكس تراجعت أسهمها بنسبة ٢٠٪، وهو ما أثار استياء مؤسّس الشركة، وأدى إلى استبدال مديرها التنفيذي.22 كما أغلقت كنتاكي العديد من أفرعها بسبب تراجع الطلب، بما في ذلك الإفلاس الأخير للشركة المشغّلة لكنتاكي وبيتزا هت (Pizza Hut) في تركيا، وإغلاق ٥٣٧ فرعاً بسبب المقاطعات المرتبطة بغزة.23
ومع ذلك، كان يمكن للأثر أن يكون أكبر بكثير لو وُجد تنسيق استراتيجي. فبينما نجحت المقاطعات في تقليص الأرباح، افتقرت إلى خطّة منظَّمة لإعادة توجيه النشاط الاقتصادي نحو أعمال بديلة داخل الأمّة. ومع اقتصاد حلال (halal economy) يبلغ حجمه ٢ تريليون دولار، وأموال الزكاة التي تُقدَّر سنوياً بنحو ٥٥٠ مليار دولار، تملك الأمّة نفوذاً اقتصادياً هائلاً، غير أنّ جزءاً كبيراً منه لا يزال غير مُستثمَر بسبب غياب الاستراتيجية والبنية المؤسّسية.24 وكان يمكن لجهد منسَّق جيداً ألا يكتفي بمعاقبة الشركات المتواطئة في الظلم، بل أن يُحدث كذلك تحوّلات دائمة في ميزان القوّة الاقتصادية عبر الاستثمار في بدائل أُمّتيّة.
ومن الأمثلة اللافتة الأخرى على قدرة الأمّة الناعمة، الكبيرة حتى مع غياب التنسيق، قدرتها على إرباك الخوارزميات الرقمية التي حاولت إسكات الأصوات الفلسطينية. فقد اتُّهمت أكبر وسائل التواصل الاجتماعي بممارسة الحظر الخفي (shadow-banning) ضد المحتوى المناصر لفلسطين، بما جعل رؤية المنشورات المرتبطة بالأزمة أكثر صعوبة. وردّاً على ذلك، أغرق ملايين المسلمين وحلفائهم وسائل التواصل الاجتماعي بالوسوم، وإعادة النشر، والصياغات البديلة لتجاوز القمع الخوارزمي، فأعادوا حضور القضية في الساحة العالمية بالقوّة.25
وقد كشف هذا الجهد عن قوّتين رئيسيّتين في القوّة الناعمة الأُمّتيّة: القدرة على تعبئة ملايين الناس رقمياً على نحو عضوي، بما يغيّر السرديّات الرقميّة رغم قمع المنصّات، وحضور أصوات مسلمة مؤثّرة في الإعلام العالمي والنشاط العام أسهمت في تضخيم الرسالة. غير أنّ هذه الحركة كشفت أيضاً عن موطن ضعف حاسم؛ إذ إنّ اعتماد الأمّة على منصّات تسيطر عليها قوى خارجية يترك سرديّاتنا عرضة للرقابة. وتتطلّب استراتيجية إعلامية أُمّتيّة مستدامة إنشاء منصّات مستقلّة، وتوزيع المحتوى بتوجيه من الذكاء الاصطناعي (AI-driven content distribution)، واستثماراً في نظم رقمية بديلة منعاً للاعتماد على منصّات تعمل بنشاط ضد مصالح المسلمين.26
وبعيداً عن الحركات التفاعلية، تمتلك الأمّة مزايا بنيويّة معتبرة لو أُحسن توظيفها لأمكن أن تمنحها تأثيراً مستداماً في مجال القوّة الناعمة. ومع هذه المزايا، لا تزال الأمّة غير منظَّمة في طريقة توظيفها لقوّتها الناعمة. ومن دون تنسيق مؤسّسي وقيادة استراتيجية، يظلّ أثرها متقطّعاً وغير منهجي. وتُظهر نجاحات المقاطعات والنشاط الرقمي ما يمكن أن يتحقّق حين يعمل المسلمون جماعياً، لكنّها تكشف في الوقت نفسه الحاجة إلى إطار منظَّم يحوّل القوّة التفاعلية إلى تأثير استباقي.
وتبلغ القوّة الناعمة أقصى فاعليتها حين تعمل طبقاتها بانسجام، لا في عزلة بعضها عن بعض، ويعني ذلك في سياق الأمّة مواءمة صور التأثير المختلفة – الإعلام، والأعمال، والبحث العلمي، والنشاط الشعبي، والقيادة الدينية – في قوّة منسَّقة تنتج نتائج ملموسة وقابلة للتكرار. فالجهود المعزولة، مهما كانت نبيلة، غالباً ما تعجز عن إحداث تغيير دائم، أما حين تتعاون هذه الطبقات من القوّة الناعمة الأُمّتيّة تعاوناً استراتيجياً، فإنها تستطيع تضخيم الأثر والمحافظة عليه، بما يفضي إلى تحوّل في السرديّات العالمية لصالح أمّة أكثر تمكيناً.
ولننظر مرّة أخرى في حالة المقاطعة. تخيّل معي سيناريو يُعزَّز فيه جهد ناجح للمقاطعة عبر طبقات متعدّدة من القوّة الناعمة الأُمّتيّة، مثل:
- استراتيجية الإعلام والعلاقات العامة (Media & PR Strategy): بدلاً من حملات متفرّقة على وسائل التواصل الاجتماعي، تنسّق المنصّات الإعلامية الأُمّتيّة الكبرى تغطيتها، وتُبرز قصصاً مؤثرة تُسهم في تشكيل الخطاب العالمي.
- نُظُم الأعمال البديلة (Alternative Business Ecosystems): بدلاً من مجرّد قطع الدعم المالي، يعمل روّاد الأعمال والاقتصاديون في الأمّة على الترويج لبدائل أخلاقية إسلامية – سواء في المصارف، أو السلع الاستهلاكية، أو الخدمات – لإعادة توجيه الإنفاق بطرائق تقوّي الاستقلال الاقتصادي للأمّة.
- التأييد العلمي والديني (Scholarly & Religious Endorsements): يقدّم كبار العلماء إطاراً أخلاقياً وفقهياً منظَّماً، بما يضمن ألا تكون المقاطعة مدفوعة بالعاطفة وحدها، بل مؤسّسة شرعياً أيضاً، وذات مصداقية وتوجيه طويلَي الأمد.
- التعبئة الشعبية (Grassroots Mobilization): يطوّر المنظّمون المجتمعيون، والناشطون، والمربّون جهوداً محلّية تضمن مشاركة واسعة، بما يجعل المقاطعة حركة مستمرّة لا ردّ فعل عابر.
وتحوّل هذه المقاربة متعدّدة الطبقات المقاطعة من احتجاج مؤقّت إلى تحوّل اقتصادي مستدام، يعزّز مبادئ العدل والاعتماد على الذات داخل الأمّة. ومثال آخر على ذلك هو التأثير الإعلامي، الذي غالباً ما يكون متشظياً ورجعياً، حيث يمكن لجهد منسّق بين العلماء الأُمّتيين ورواد الأعمال الاجتماعيين (social entrepreneurs) والتكنولوجيين أن يُنتج نظاماً إعلامياً مسلماً عالمياً ومستداماً ذاتياً، لا يعتمد على السرديّات الرجعيّة، بل يبادر إلى تحديد مسار الخطاب. ويمكن أن يشمل ذلك:
- الأوساط الأكاديمية ومراكز التفكير (Academia & Think Tanks): تقديم البحث والعمق الفكري للنقاشات الإعلامية، بما يضمن أن تكون التغطية متينة التحليل، لا مجرد استجابة رجعية.
- التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: تطوير خوارزميات ومنصّات تعطي الأولوية للسرديّات الأُمّتيّة، وتمنع الارتهان للبنى التحتية الإعلامية الخارجية التي تشوّهها أو تقمعها.
- خبراء الأعمال: تمويل المشاريع الإعلامية والترويج لها، بما يجعلها مستقلة مالياً وقادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ومن خلال مواءمة طبقات القوّة الناعمة المختلفة بطرائق إبداعية، تستطيع الأمّة تجاوز الإيماءات الرمزيّة نحو تغيير بنيوي. فالجهود المعزولة تكافح في مواجهة قصور البنى العالمية، أما المقاربة الأُمّتيّة المنسّقة والعابرة للقطاعات (cross-sector) فتضمن ألا تكون المبادرات فعّالة فحسب، بل قابلة للتكرار ومتماسكة مؤسسياً. وليست الغاية مجرّد مقاومة الضغوط الخارجية، بل المبادرة المستمرّة إلى تشكيل العالم من خلال رؤية قائمة على العدل.
الخاتمة: الحتمية الاستراتيجية للقوّة الناعمة الأُمّتية
يتطلب إحياء الأمّة بوصفها حضارة رائدة ومؤثّرة مقاربةً واعية واستراتيجية، ويقرّر القرآن دور الأمّة بوصفها نموذجاً للعالم، وهي مسؤولية لا يمكن الوفاء بها من دون قيادة فكرية وثقافية وأخلاقية.27 وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلّم الأمّة بأنّها كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى.28 وحين تتحقّق القوّة الناعمة على الوجه الأكمل، فإنها تغدو جهازَ الدوري في هذا الجسد، توحّد عقله وفعله وتأثيره في قوّة واحدة تعبّر عن إرادته بوضوح وثقة. وليس كل واحد من مجالاتها الثمانية مجرّد أداة للتأثير، بل وسيلة لإظهار سموّ القيم الإسلامية.
وفي كل مجال، لا بدّ أن تجسّد الأمّة التفوق، والعدل، والمقاصد، لا بوصف ذلك رد فعل على ضغوط خارجية، بل تأكيداً لتكليفها الشرعي. فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الإحسان في كل شيء،29 ولا بد أن يحدّد هذا الإحسان تطوير القوّة الناعمة الأُمّتيّة وتوظيفها، بحيث تكون سرديّاتنا مُلهِمة، ومعرفتنا رافعة، وأسواقنا مُثرية، ودبلوماسيّتنا مُنهِضة – لا للمسلمين وحدهم، بل للإنسانية كلها. وبما يتجاوز إظهار جمال الإسلام، لا بد أن تُوظَّف كل طبقة من طبقات القوّة الناعمة للإسهام في تحقيق الاستقلال وتقرير المصير (self-determination) للأمة. فالتفوّق في التعليم يجب أن يحرّرنا من التبعية الفكرية؛ والاستقلال في الإعلام يجب أن يمكّننا من صناعة الخطاب العالمي لا اتّباعه؛ وإتقان التمويل والتكنولوجيا يجب أن ينهي الاعتماد على نُظُم تقوّض استقلالنا. فالغاية ليست مقاومة الظلم فحسب، بل إفقاده الروابط والتأثير، وذلك ببناء عالم لا تكون فيه الأمّة تحت رحمة القوى الخارجية، بل جسداً يتحرّك بإرادته، مهتدياً بقلبه، في خدمة خالقه.
لن تحقّق القوّة الناعمة وحدها هذه الأهداف، ولن تحلّ كل التحدّيات التي تعترض طريقها، لكنّها تضع الأساس ويمكن أن تقطع بنا شوطاً طويلاً نحوها، إذ تمكّن الأمّة من تشكيل الخطاب العالمي عبر الجاذبية، والسلطة الأخلاقية، والرؤية الاستراتيجية. إننا نعيش عند منعطف حاسم من التاريخ الحديث، حيث انكشفت للجميع قسوة ونفاق النظام الدولي المفترض أنه قائم على قواعد (rules-based international order)، وحيث تتصاعد رغبة الأمّة في المبادرة إلى التغيير. غير أن الحضارات لا تنهض بالمقاومة الرجعية، بل بالقدرة على تعريف سرديّاتها الخاصّة بشروطها هي. ومن خلال الاستثمار في مبادرات متماسكة واستراتيجية للقوّة الناعمة، تستطيع الأمّة أن تتحرّك لاستعادة قيادتها بعون الله سبحانه وتعالى؛ لا باتّباع الاتّجاهات العالمية، بل بصناعتها.
* * *
الاقتباس المقترحة:
أشرف موتيوالا، «القوّة الناعمة الأُمّتيّة بوصفها محفّزاً للتغيير»، ترجمة أنس خضر، أُمَّتِكس، ٢٥ يونيو ٢٠٢٦، https://ar.ummatics.org/soft-power
هوامش
- «الأمّة» مصطلح تمّ تعريفه وتكريمه في القرآن إشارةً إلى أمة أتباع النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، والتي أُطلِق عليها صفة ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مكرَّمة من الله باعتبارها ﴿أُمَّةً وَسَطاً﴾ والتي دُعيت إلى الاعتصام ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وإلى دعوة البشر إلى ما هو خير». انظر: عويمر أنجم، «ما هي الأمتيّة»، أمّتكس، 10 أبريل 2025، https://ar.ummatics.org/what-is-ummatics
- ستناقش الأوراق القادمة هذه العناصر التي تقع جميعها تحت مسمّى المنهج الأمّتي للتغيير بتوسّع أكبر إن شاء الله تعالى.
-
Joseph S. Nye, “Public Diplomacy and Soft Power,” Annals of the American Academy of Political and Social Science 616, no. 1 (2008): 94.
- يُراد بمصطلح النخب (elites) في هذه الورقة كلّ الأفراد والجماعات الذين يملكون قدراً نسبياً من السلطة، أو النفوذ، أو الوصول إلى صناعة القرار. وصحيحٌ أن بعض المنظّرين يرون أن تحوّل النخب إلى أقلية حاكمة هو أمر حتمي، إلا أن المنظّرين الديمقراطيين يميّزون بين النخب والعوام، في حين يركّز علماء العلاقات الدولية على الفاعلين الذين يؤثّرون بالسياسات العالمية. وفي الاقتصاد السياسي، تُعرّف النخب، في المجمل، بأنهم أولئك الذين يتحكّمون برأس المال والأيديولوجيا. وإذا أردنا تعريفا متسقا نسبيا للمصطلح باختلاف العلوم، فهو يدلّل على أولئك الذين يشكّلون المخرجات الجمعية (collective outcomes). لنقاش أكثر استفاضة في مفهوم النخب، انظر:
John Higley, Elites, Non-Elites, and Political Realism: Diminishing Futures for Western Societies (Rowman & Littlefield, 2021), 4-9.
-
Joseph S. Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics (New York: Public Affairs, 2004), 90-99.
-
Margaret E. Keck and Kathryn Sikkink, Activists Beyond Borders: Advocacy Networks in International Politics (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1998), 20-28.
-
ليس القصد من ذلك التقليل من القدرات الكبيرة التي تختصّ بها الدول على ممارسة القوة الناعمة، وإنما إبراز الطبيعة المتغيّرة لموارد القوة الناعمة والفرص المتنامية للفاعلين دون الدول. وكما يقول ناي تجعل «ثورة المعلومات خاصرة الدول رخوة أكثر. فعلى الحكومات اليوم تقاسم خشبة المسرح مع فاعلين يستطيعون استخدام المعلومات لزيادة هامشهم من القوة الناعمة والضغط مباشرة على الحكومات، أو بشكل غير مباشر من خلال حشد الشعوب». انظر: Joseph Nye, Soft Power, 91.
- يقدّم مفهوم القوة الناعمة كما يبيّنه جوزيف ناي إطاراً تأسيسياً قيّماً يُعين على فهم كيفية قدرة الأمة على استعادة نفوذها عبر الجذب والدعوات الثقافية-الأخلاقية. في الوقت ذاته لا يجب إغفال أطر هامة أخرى تُعنى بنفس الأمر، أي الفكرة التي يقوم جوهرها على أشكال السلطة التي لا تشتمل على الإكراه وقدراتها الكامنة، ومن هذه الأطر نظرية الهيمنة الثقافية (cultural hegemony) كما وضعها أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci)، والقوة الإنتاجية (productive power) كما أصّل لها ميشيل فوكو (Michel Foucault)، وتحليل بيير بورديو (Pierre Bourdieu) لمفهوم الهيمنة الرمزية (symbolic domination)، وفكرة الفعل الجماعي (collective action) التي قدّمتها حنة أرندت (Hannah Arendt)، وغيرهم. لا تُعنى هذه الورقة بتفصيل كل مفهوم من هذه المفاهيم، ولكن يجب تقديم تحليل أعمق لقيمة هذه النظريات وما قد تُفيد به الفكر الأمّتي والممارسة الأمّتية.
- يُشير مفهوم المسلمون ذوو التمكين العالمي (GEMs) إلى أفرادٍ: أ) يرتبطون عالمياً عبر التعليم والتكنولوجيا وشبكات العمل؛ ب) منخرطون انخراطاً حيّاً في توظيف مهاراتهم ومعرفتهم وتأثيرهم لمنفعة الأمة بما يتجاوز حدود الدول القومية وانقساماتها؛ جـ) مع تركيز على الوحدة والتجديد والعمل الأخلاقي المتجذّر في المُثُلِ والمبادئ الإسلامية.
- تتوزّع النخب عادة داخل الأنظمة السلطوية إلى فصائل أو شبكات تقوم على العلاقات الفردية، أو المصالح المشتركة، أو الانتماءات المؤسّساتية. ويمكن أن تتحوّل هذه الشبكات إلى قنوات لفرض النفوذ على عمليات صناعة القرارات في النظام. انظر:
John Higley and Michael G. Burton, Elite Foundations of Liberal Democracy (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, 2006.
وقد درس المنظّرون الاجتماعيون هذه العلاقة الديناميكية بين الحركات الاجتماعية والدولة، ولكن دون استخدام مصطلح القوة الناعمة. وعندما تنزع الدولة إلى التدابير القمعية في ردّها على مساعي الحركات الاجتماعية للتأثير على المُخرجات، فيمكن أن تردّ الحركة الاجتماعية بتوسعة نطاق أهدافها لتشمل تغيير النظام. وبذلك قد تنتقل الحركات الاجتماعية من استراتيجيات كالإقناع (أي القوة الناعمة) إلى حركات ثورية، والعكس صحيح في حالات دمقرطة الدولة (state democratization). انظر:
Jack A. Goldstone, Social Movements or Revolutions? On the Evolution and Outcomes of Collective Action (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, 1998), 128-129.
-
Joseph S. Nye, “Get Smart: Combining Hard and Soft Power,” Foreign Affairs 88, no. 4 (2009): 160–63.
- لا بد لي في هذا المقام من التعبير عن امتناني للدكتور يوسف شهود على اقتراحه هذا الاختصار الذكي الذي يدلّل على فرصة فريدة لإحداث التغيير واستدامته.
- يقدّم هذا الفصل من الورقة تأطيراً أوّلياً لمفهوم تعاونيات القوة الناعمة الأمتّية. ثمة حاجة إلى مزيد من البحث لصقل البُنى، والإجراءات، وأشكال المشاركة، والعضوية، وغير ذلك من آليات العمل لضمان صون الأهداف الأمتّية مع العمل بفاعلية في السياقات المتنوّعة. للاطلاع على تطبيق ممكن، فيه قدر من الإبداع، لبنية أمتّية للقوة الناعمة، انظر:
Mohammed Ashour’s presentation on “The Ummatic Passport” at the Ummatics Conference 2024 in Kuala Lumpur, Malaysia: https://www.youtube.com/watch?v=WJ9lHNDP9_E.
- تختلف الأدبيات الأكاديمية في تقسيم أنواع القوة الناعمة. فيرى ناي أن القوة الناعمة تنبثق من ثقافة البلد، وقيمه السياسية، وسياساته الخارجية، وبالدرجة الأولى من زاوية مصالح الدولة القومية. وينقد مكلروي (Jonathan McClroy) هذا الرأي ويرى تقسيم أنواع الصور الناعمة إلى خمسة أنواع، هي الحكومة، والثقافة، والدبلوماسية، والتعليم، والأعمال/الإبداع. انظر:
Jonathan McClory, “The New Persuaders II: A 2011 Global Ranking of Soft Power,” Institute for Government, Jan 12, 2011, http://www.instituteforgovernment.org.uk/publications/new-persuaders-ii.
وتقوم هذه الورقة على تقسيم أنواع القوة الناعمة إلى ثمانية أنواع في طرحها لمفهوم القوة الناعمة في سياق الأمة، مع عدم رفضها لفكرة وجود تقسيمات أخرى مختلفة.
- للاطلاع على مثال معاصر لاستخدام القوة الناعمة الدينية (ولعله إساءة استخدام)، انظر:
Peter Mandaville and Shadi Hamid, Islam as Statecraft: How Governments Use Religion in Foreign Policy (Washington, DC: Brookings Institution Press, 2018); and Ahmet Öztürk, “Religious Soft Power: Definition(s), Limits and Usage,” Religions 14, no. 2 (2023): 135.
-
Zafer Yörük and Pantelis Vatikiotis, “Soft Power or Illusion of Hegemony: The Case of the Turkish Soap Opera Colonialism’,” International Journal of Communication 7 (2013): 2361–2380.
-
Abdullah Al-Arian (ed.), Football in the Middle East: State, Society, and the Beautiful Game (London: Hurst, 2022).
-
“The World’s Muslims: Religion, Politics and Society”, Pew Research Center, April 30, 2013, https://www.pewresearch.org/religion/2013/04/30/the-worlds-muslims-religion-politics-society-beliefs-about-sharia/
-
“The Full Application Bringing Genocide Charges Against Israel at UN Top Court”, PBS News, January 3, 2024, https://www.pbs.org/newshour/world/read-the-full-application-bringing-genocide-charges-against-israel-at-un-top-court
- “منذ هجوم السابع من أكتوبر، رصد المرصد الفلسطيني لانتهاكات الحقوق الرقمية أكثر من ١٬٣٥٠ حالة من حالات الرقابة على الإنترنت من قبل المنصات الكبرى، وذلك من خلال نداء مفتوح عبر موقعه الإلكتروني حتى الأول من يوليو ٢٠٢٤، وتتعلق معظم البلاغات بمنصات ميتا وتيك توك وإكس ويوتيوب.”
-
Joseph S. Nye, The Future of Power (New York: Public Affairs, 2004), 5-10.
-
Dee-Ann Durbin, “Starbucks Replaces CEO, Names Chipotle Chief to Head Company,” WUSA9, August 13, 2024, https://www.wusa9.com/article/news/nation-world/starbucks-replaces-ceo-names-chipotle-chief-to-headcompany/507-682f78aa-a9c1-4cf5-ad55-1760c038467e.
-
Munsif Web Desk, “KFC Turkey Shuts All 537 Outlets Amid Bankruptcy and Gaza Boycott Fallout,” Munsif Daily, February 19, 2025, https://munsifdaily.com/kfc-turkey-bankruptcy-gaza-boycott/.
-
See Iman Ali Liaqat, “State of the Global Islamic Economy Report,” DinarStandard, December 26, 2023, https://www.dinarstandard.com/post/state-of-the-global-islamic-economy-report-2023.
-
Waqas Ahmed, Nicholas Rodelo, Ryan Grim, and Murtaza Hussain, “Leaked Data Reveals Massive Israeli Campaign to Remove Pro-Palestine Posts on Facebook and Instagram,” Drop Site News, April 11, 2025, https://www.dropsitenews.com/p/leaked-data-israeli-censorship-meta.
- يلزم الأمة حزمتها التقنية لتكون لها وجاءً يحمي صوتها، وقيمها، وسيادتها الرقمية من القوى الخارجية التي تقوم باستمرار بفرض الرقابة والتشفير على الخطاب المسلم وقمعه. وستتناول ورقة قادمة، إن شاء الله، موضوع حزمة تقنية أمتّية.
- البقرة، ١٤٣.
- البخاري، ٦٠١١.
- مسلم، ١٩٥٥.


