ملخّص

تتلخّص الحجة الرئيسية لهذه الورقة بأن مجرد استذكار الخلافة وتخيّلها نظاماً أساسياً ممكناً في العالم الإسلامي قد أصبح فعلاً إجرامياً، وتستند الورقة في ذلك على تحليلها لفترتين زمنيتين، هما السنوات التي سبقت حلّ الخلافة عام ۱۹۲٤م، والفترة التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱م، بما شهدتاه هاتان الفترتان من حملاتٍ شرسة هدفت إلى التضييق الأمني على الوجدان المسلم. يقوم هذا التجريم على «الخوف الاستباقي» الذي وُظّف للحدّ من كل ما قد يشكّل تحدّياً حقيقياً لهيمنة الدولة القومية الحديثة، وقد كان هذا التحدّي في هذه الحالة هو الإسلام. وعلى ذلك، تميّزت هاتان الفترتان بخوفٍ من سيناريو استعادة المسلمين لوجدانهم وقدرتهم على كتابة مصيرهم. لقد نجحت الروح الاستشراقية الكامنة في كلٍّ من هاتين اللحظتين التاريخيتين في تقييد مفهوم الخلافة وتغييب قدرته على رسم مسارٍ مستقبليٍّ له بتصوير الخلافة على أنها نظامٌ جامدٌ غير متغيّرٍ متخلّف. إلا أن هذا التجريم لم يستطع محو مفهوم الخلافة من الذاكرة الأمتية، وبهذا فإنّ العمل على استذكار مفهوم الخلافة والحديث عنه من شأنه أن يحوّل الاستذكار إلى مقاومة. كما أن هذا التجريم يطرح تساؤلاً عن تبلور صورة الخلافة في أذهان المسلمين على أنها مؤسّسة من العصور الوسطى لا تصلح للعصر الحديث ومصدر هذه الصورة بين المعرفة المكتسبة من خبرات المسلمين وتاريخهم، وبين خطابٍ صاغه آخرون لهم.

 

مقدّمة

بات نموذج الدولة القومية هو النموذج الأوحد للحكم الذي يهيمن على المخيال السياسي الإنساني، حتى أن وجود نظم سياسية بديلة قد أصبح ضرباً من ضروب المستحيل، مع أن النظام العالمي الحالي لا يزال في مراحل الصبا مقارنةً بالتاريخ السياسي للعالم. واليوم، بعد أن شهد العالم حربين عالميتين تصدّرتهما القارة الأوروبية، وغير واحدةٍ من حملات الإبادة، وخلافات حدودية شائكة ودامية، وموجات هجرة واسعة، وحرب عالمية على الإرهاب، والفساد الذي عاثته الحداثة ومشروع الدولة القومية في الأرض، تعرّت هشاشة هذا النظام العالمي. والقصد بذلك أن التناقضات الأنطولوجية والإبستمولوجية التي ينطوي عليها نموذج الدولة القومية، وتحديداً في المجتمعات غير الغربية، قد وصلت بنا إلى مآزق سياسية وأخلاقية. تحوّلت أذهان المراقبين السياسيين إلى الشرق بعد النجاح الظاهر لمفهوم الدولة القومية في المجتمعات الغربية، باعتباره المعيار الذي لا نزاع عليه في التنظيم السياسي، حيث كان التساؤل لماذا لم يستطع هذا النموذج، الذي يُفترض أن يكون نموذجاً عالمياً يصلح لكل زمانٍ ومكان، ألا يحرز سوى تقدّماً زهيداً في المجتمعات غير الغربية. ولو تركنا جانباً الاتهامات الازدرائية للإسلام الذي، كما يقولون، كان أصل كل اضطرابٍ سياسيٍّ في العالم المسلم، فسنجد تحليلات أكثر فائدة تركّز على الخصائص الأيديولوجية التي ترتكز عليها الأسس البنيوية لمشروع الدولة القومية.

إحدى هذه الخصائص المتجذّرة في تشكيل الدولة القومية، كما يقول وائل حلاق في كتابه «الدولة المستحيلة» هي: «احتكار الدولة التشريع…ما يسمّى العنف المشروع».1 فممارسة العنف إذاً لها جذورٌ عميقةٌ جداً في بنية مشروع الدولة القومية، بل إن إقامة نموذج الدولة القومية يصبح غير مستداماً من دون هذه الخاصية الأساسية.2 كما أن صناعة الحرب، كما يذهب إليه تشارلز تيلي (Charles Tilly)، وغيرها من صور العنف المنظّم هي أمرٌ لا غنى عنه في توطيد السيادة بيد الدولة. وعلى الرغم من أن ولاة السلطة (power holders) لم تكن نيتهم إنشاء دول قومية باعتبارها أحد المفرزات الجانبية لاستخدامهم القسري للقوة، تبقى نزعة الدول لاحتكار العنف أحد أهم الخصائص التي تتمايز بها.3 وتتماهى ممارسة العنف مع   فكرة اختصاص الدولة بسيادةٍ أقرب إلى سيادة الرب لأن السيادة من غير أدوات القسر التي تقوم عليها لا معنى لها، كما يبيّن حلاق. فإذا سلّمنا بأن الدولة هي صاحبة السيادة التي لا يُعلى عليها في أرضها، فالنتيجة المنطقية لذلك هي أنها تصبح إذاً «ربّ الأرباب» التي تتفرّد بالحقّ بالسماح بالعنف متى ما أرادت.4 ومن زاويةٍ مقارنة، فإن فكرة اختصاص الدولة بالسلطة العليا، ومنها أنها تستطيع فرض إرادتها كما لو كانت الربّ مع نزعة العنف التي تنطوي عليها الدولة القومية، تفرض مآزق شائكة في العالم الإسلامي.

حاولت الدول الأوروبية أن تواجه تلك النزعة الغريبة في الحداثة إلى استثارة القلق في النسيج السياسي والمدني في المجتمع بمحاولة إيجاد هوية أوروبية جامعة ترتكز على تكوين مشترك تجلّى في صورة الاتحاد الأوروبي، وغير ذلك من المؤسسات العابرة للحدود. ولكن مع ذلك، وُصفت النقاشات التي قامت في العالم المسلم عن التوحّد السياسي، بالتزامن مع هذه المحاولات في أوروبا، ظلمًا حنينٌ إلى ثيوقراطيا العصور الوسطى. ولكن حتى مع اختزال الخلافة بأنها ظاهرة تاريخية بائدة، وترسيخ نموذج الدولة القومية باعتباره تتويجاً للمسيرة البشرية الخطية نحو المجد الحضاري، هناك من يقدّم أفكاراً جديدة لتحقيق الوحدة السياسية في العالم المسلم، تشتمل على نظريات سياسية بديلة وانتقادات نبيهة للنظام السياسي المتقلّب الذي قام في أعقاب الاستعمار.

نادى بعض المفكّرين المسلمين في القرن العشرين، كأبي العلاء المودودي وسيد قطب، بمقاربة ثيولوجية للحوكمة السياسية في سياق محاولاتهم لحلّ الأزمة السياسية والثقافية التي عصفت بالدول القومية المسلمة في أعقاب الاستعمار.5 وفي المقابل، كان هناك مفكّرون كالمفكّر المصري علي عبد الرازق الذي ذهب إلى أن الخلافة ليس لها قيمة دينية في الإسلام، وعلى ذلك فليس هناك أمر شرعي بإقامتها.6 ولا شكّ أن هذه النقاشات لها أهميتها المحورية في مساحات العقيدة، إلا أنني أسعى في هذه المقالة إلى الأخذ بهذا النقاش إلى خارج الأطر العقدية، والتركيز على كيفية تجريم الخلافة بصفتها جزء من الذاكرة والمخيال المسلمين.

في إضافة إلى تأسيس الدكتور عويمر أنجم لفكرة أن الخلافة، باعتبارها جزءً من المخيال المسلم، تجسّد مفهوم الاستمرارية المكانية أو الوحدة المكانية لجميع المسلمين،7 أذهب في هذه المقالة إلى أن مجرد استذكار، أو تخيّل، الخلافة نظاماً سياسياً ممكناً في العالم المسلم قد أصبح عملاً إجرامياً. وأسعى في هذه المقالة إلى توليف عدد من الآراء التي تحدّثت عن هذا الموضوع، بالإضافة إلى أفكاري الخاصة، بهدف تحليل فترتين متمايزتين في عصر ما بعد الخلافة، هما السنوات التي سبقت حلّ الخلافة خلال صعود الجمهورية التركية عام ۱۹۲٤م، وفترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي شهدت حملة تضييق أمني شديد على المسلمين تحت غطاء مكافحة الإرهاب. وتستند هذه الورقة في تحليلها لهاتين الفترتين على مفهوم الخوف الاستباقي كما نظّر له براين ماسومي (Brian Massumi) الذي يبيّن كيف يُوظَّفُ هذا المفهوم للحدّ من أي تحدٍّ حقيقي لهيمنة الدولة القومية الحديثة، والذي كان في هذه الحالة الإسلام.8 وتشترك هاتان الفترتان في المساحات السياسية والاجتماعية التي كان فيها تجريم استذكار وتخيّل وإعادة صياغة الخلافة. كما أن روح الاستشراق الكامنة في هاتين الفترتين قد نجحت في تقييد مفهوم الخلافة وتغييب قدرته على رسم مسارٍ مستقبليٍّ له، عبر تصوير الخلافة على أنها نظامٌ جامدٌ غير متغيّرٍ متخلّف.9 ومن ثمّ، تبني هذه الورقة على السمات المشتركة بين هاتين الفترتين لتطرح أسئلةً عن الدور المحوري الذي يمكن لاستحضار وسرد هذا الجزء من المخيال المسلم، أي مفهوم الخلافة، في المناخ العالمي الحاضر، في سياق تنظيم شبكاتٍ مكانيةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ وثقافية في العالم المسلم.

وقبل الخوض في الموضوع التحليلي الرئيسي لهذه الورقة، يلزم أن نبيّن بإيجاز المأزق الأخلاقي الذي يولّده نموذج الدولة المسلمة في سبيل فهم الأسس التي ارتكز عليها التجريم الشرس للخلافة والمخيال المسلم على مدار القرن الماضي.

 

المأزق

يقول ريني غوينون (René Guénon) في كتابه «أزمة العالم الحديث» (The Crisis of the Modern World): «ما دام الشعب الغربي يتخيّل أن لا وجود سوى لنوعٍ واحدٍ من الإنسانية، أو لا وجود سوى لحضارةٍ واحدة، في مختلف مراحل التنمية، فسيبقى التفاهم المتبادل أمراً مستحيلاً».10 تلخّص هذه المقولة المأزق الذي نحاول الحديث عنه تلخيصاً بليغاً. فالدولة القومية الحديثة، ومشروع الحداثة المنبثق عنها على الشكل الذي نراه اليوم، هو تجلٍّ لتجربة أوروبية أريد جعلها تجربةً عالمية. ومن بين النظريات المختلفة التي حاولت تفسير نشأة الدولة، أرى أن النظريات القسرية هي الأكثر وجاهة.11 ولا عجب أن فكرة ماكس فيبر (Max Weber) عن الدولة الحديثة بأنها «مجتمع بشري احتكر (بنجاح) الاستخدام الشرعي للقوة الملموسة داخل مساحة محدّدة» قد حظي بقبول واسع في الأوساط الأكاديمية والشعبية. كان أول اعتراف بالسيادة الإقليمية (Territorial Sovereignty) للدولة في القرن السابع عشر الميلادي في أعقاب حرب الثلاثين عاماً الدامية، التي أدّت إلى صلح وستفاليا (Treaty of Westphalia). ويرى العديد من المنظّرين السياسيين أن ذاك الحدث التاريخي كان هو ميلاد الدولة القومية.12

يرتكز تشارلز تيلي في مقالته «صناعة الحروب وصناعة الدول بصفتها جريمة منظّمة» (War Making and State Making as Organized Crime)، على مفهوم القوة القسرية، ويبيّن أن تسلسلاً من الأحداث العنيفة كان السبب في تنظيم شبكات اجتماعية اقتصادية «نما فيها جهاز دولة متمايز في كلّ قسم رئيسي من أقسام أوروبا»، ويشمل هذا التسلسل القضاء على الأعداء ضمن مساحة محدّدة من الأراضي أو بدونها، والاستعمال القسري للموارد في هذه الأرض.13 كما أن ممانعة قطاعات معينة من المجتمع وما يمثّله ذلك من تهديد متنامٍ يجبر ولاة السلطة على تقديم التنازلات مثل «ضمان الحقوق وإنشاء مؤسّسات تمثيلية ومحاكم النقض».14 وبهذا تتابعت مراحل بناء مشروع الدولة الأوروبية، آخذة مساراً تفرّدت به العملية التاريخية الأوروبية دون غيرها، ليصل إلى تشكيل وتنظيم نُظم الدول الأوروبية التي استمرت بالتحوّل من حال إلى آخر بقيام الحروب والصراعات.15

وعلى مدار القرون الثلاثة التالية، تبلورت المبادئ الفلسفية والممارسات التي عُرفت بها الدولة القومية في أوروبا وفي مختلف أنحاء العالم. ولذلك، كان التاريخ الأوروبي، وبلا شكّ، هو منشأ الجذور الجينالوجية التي انبثق منها الشكل السياسي المعروف بالدولة القومية، على النقيض من العالم المسلم حيث لا يمكننا أن نقول إن عملية نمو الدولة القومية كانت عملية عضوية. وكما ينوّه نادر هاشمي، أحدثت «الحروب الدينية»، التي أكلت الأخضر واليابس في أوروبا، عملية انفكاك ثقافية وأخلاقية من الدين وقيمه أو بالأحرى النحو التي كان يُمارس به الدين في ذاك الوقت، وهو ما دفع مفكّري العصر التنويري، كجون لوك (John Locke)، إلى صياغة مقاربات جديدة لفهم الدين. فقد وصلت مسألة التعدّدية الدينية إلى أزمة هدّدت بتمزيق نسيج المجتمع الأوروبي بأسره.16 وقد وُفّق هاشمي في إشارته إلى أن طبيعة علاقة المجتمع الأوروبي بالدين كان لها أثر عظيم على تجربته التاريخية مع التسامح الديني، أو غياب هذا التسامح بالأحرى في الحالة الأوروبية. ومن رحم هذه الأزمة المُحدقة وُلدت العلمانية الغربية التي بشّرت بأن تكون الدواء لهذا المجتمع الذي أنهكته الحروب.17

وبالمقابل كانت تجربة المجتمعات المسلمة مع التعدّدية الدينية أكثر تسامحاً، ولهذا لم تمرّ المجتمعات المسلمة بمرحلةٍ من الحروب الطاحنة والمشادات الفكرية التي طغت على بدايات التاريخ السياسي الأوروبي.18 حتى إن الديناميكيات الدينية داخل المجتمع، كما يبيّن هاشمي، لم تكن أمراً خلافياً، وإنما عاملاً أساسياً قوّى التماسك والاستقرار في المجتمع، وآلية محاسبة حالت دون إساءة استخدام السلطة.19 وإذا تقرّر ذلك، فإن مسألة العلمانية في العالم المسلم تصبح مسألة جدلية دون وجود براهين كافية على تمتّعها بعالمية مزعومة تجعلها تصلح لكل زمان ومكان. وهذا ما عبّر عنه جوزيف كامينسكي (Joseph Kaminski) بفصاحة كبيرة في كتابه «الإسلام والليبرالية والأنطولوجيا: إعادة نظر من زاوية نقدية» (Islam, Liberalism, and Ontology: A Critical Re-Evaluation):

في المقابل، كانت العلمانية تُرى بأنها أيدولوجيا دخيلة في التجربة الإسلامية فرضتها أيادٍ خارجية بدءً بقوى الاستعمار والإمبريالية، ومن ثم النخب المحلية التي وصلت إلى السلطة خلال فترة ما بعد الاستعمار. ومرة أخرى وعلى أرض الواقع، لم ترتبط العلمانية في العالم المسلم بالتقدّم والتحرّر في أذهان الكثير من المسلمين.20

وصل المدّ الاستعماري الأوروبي إلى العالم المسلم في القرن التاسع عشر، وقام بعملية «تفكيك هيكلي» لأشكال الحوكمة الإسلامية القائمة منذ عصر ما قبل الحداثة، والتي ارتكزت على مبادئ الشريعة، واقتصرت الشريعة على «تزويد تشريعات قانون الأحوال الشخصية في الدولة الحديثة بالمادة الخام».21 وكان الهدف الأخير للمشروع الاستعماري أكثر من مجرد الاستغلال المادي للأرض وشعبها، وإنما أيضاً عملية إعادة هندسة ممنهجة للنسيج السياسي والقانوني والثقافي في المجتمع. وورث القوميون الأوتوقراطيون الذين وصلوا إلى الحكم في فترة ما بعد الاستعمار هذه الأهداف من المشروع الاستعماري، مع استخدامهم لقدر أكبر بكثير من القوة من أسلافهم، وتغطيتهم لذلك بحديثهم عن محاسن الشريعة والإسلام.22 إنّ ما يجعل نموذج الدولة القومية غير متوافق جوهرياً مع العالم المسلم هي مسألة أنطولوجية بقدر ما هي مسألة سياسية وأخلاقية. فلا يمكن فصل ظروف نشأة الدولة القومية عن أصولها الجينالوجية وسماتها المركزية، فيحمل نموذج الدولة القومية سمات جوهرية تاريخية هي ما يجعل من الدولة صاحبة السيادة السياسية والأيديولوجية، وهذا ما يمنحها بدوره سلطة عليا فوق أراضيها.23 وهذا ما يبيّنه كارل شميت (Carl Schmit) في أحد مقتبساته الشهيرة:

جميع المفاهيم الهامة في النظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم ثيولوجية تمّت علمنتها، ولا يرجع ذلك فقط إلى التطوّر التاريخي لهذه المفاهيم، حيث حُوّلت هذه المفاهيم من الثيولوجيا إلى نظرية الدولة، فأصبح الربّ صاحب القدرة المطلقة هو واضع القوانين صاحب السلطة المطلقة، وإنما أيضاً بسبب بنيتها المنهجية.24

ترتكز الأرضية الأنطولوجية لنظام الحكم الإسلامي على «أسس أخلاقية وقانونية وسياسية واجتماعية وميتافيزيقية مختلفة جذرياً عن الأسس التي تدعم الدولة الحديثة».25 ولهذا السبب، فإن تصوير نموذج الدولة الحديثة على أنه المعيار المستخدم للحكم على جميع التشكيلات السياسية هو جورٌ كبير، خصوصاً في تحليلنا لمفهوم الخلافة تاريخياً وإعادة تصوّره في عصرنا الحالي. ويُضاف إلى ذلك عدم وجود فكرة سلطة ذات سيادة عليا يجب للجميع الخضوع لها في العالم المسلم، ولا كان الناس حتى يعتبرون أنفسهم أصحاب سيادة بهذا الشكل.26 وصحيحٌ أن هذا الموضوع يخرج عن نطاق هذه الورقة، ولكن يكفي القول إن هذه الاختلافات الهيكلية الجلية في تخيّل السيادة والسلطة والحوكمة بين نموذج الدولة القومية وبين المقاربة الإسلامية للحياة السياسية هي مسألة ذات أهمية لا تُنكر.

ومع أن مسألة إعادة إنشاء نظام الخلافة قد انتهت منذ حلّ الحكم العثماني، لا يزال المسلمون يسعون إلى الوحدة والشرعية السياسية والحكم الذاتي داخل نظام عالمي مهيمن حتى اليوم. ولا بد أن نشير إلى فكرة أسيء فهمها إلى حدٍّ كبير، وهي في الآن نفسه فكرة خلافية للغاية، وهي أن إمكانية إقامة هذا النظام السياسي في العالم المسلم قد اضمحلت بسبب استخدام داعش الخبيث والمريع لهذا المصطلح، أي الخلافة. ولهذا السبب، فإن سياقة مصطلح الخلافة يستثير ردّة فعل عنيفة من بعض المسلمين، فيما يستحضر آخرون في المخيال السياسي العالمي صوراً لهمجية العصور الوسطى عند سماعهم لهذا المصطلح. إلا أن الحال الذي وصل إليه مفهوم الخلافة يستدعي دراسة نقدية لفهم سبب استمرارية وجود هذا المفهوم في وعي المسلمين على الرغم من أنه، كما يزعم البعض، نظام سياسي تجاوزه الزمن. يتناول القسم التالي من هذه الورقة الخلافة وأهميتها الأنطولوجية في العالم المسلم.

 

الخلافة

يرتبط مصطلح الخلافة ببدء الخليقة. فكما ورد في القرآن الكريم، خلق الله عزّ وجل آدم عليه السلام وجعله خليفته في الأرض.27 وفي النطاق السياسي الأضيق، يُشير مصطلح الخلافة إلى أعلى مستوى من مستويات القيادة التي يخضع لها جميع المسلمين.28 إلا أن هذا المصطلح قد مرّ بالعديد من التطوّرات النظرية مع محاولة ولاة أمر المسلمين إلى تحصيل القيادة السياسية ومعها الشرعية الثيولوجية. وبدورها، أصبحت الخلافة تمثّل ارتباطاً روحانياً بأثر النبي محمد عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين. والنقطة الثانية غاية الأهمية هي الثقل الأنطولوجي الذي تختصّ به الخلافة لدى المسلمين. يقول سلمان سيد أن الإسلام هو ما يعطي المسلمين اسماً في هذا العالم، فمن منطلق تسمية الشيء، الذي يقترن بوجوده، كان «اسم الإسلام هو ما جلب المسلمين إلى حيز التاريخ».29 ولذلك، إذا سلّمنا أن الإسلام هو ما يشكّل الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية للخلافة، فإن المقتضيات الأنطولوجية للخلافة لا يمكن أن تنفصل عن الوجدان الإسلامي.

وإذا أردنا أن نستفيض في حديثنا عن فكرة الارتباط الروحاني بين الخلافة والنبي محمد عليه الصلاة والسلام، فيمكن الرجوع إلى كتاب سلمان سيّد الآخر «خوف جوهري» (A Fundamental Fear) الذي يقول فيه أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام كان نقطة الارتكاز التي اجتمعت عليها الأمة، ومقتضى دلالة الإسلام نفسه (Master Signifier). وبعد وفاته، أصبح الإسلام هو نقطة الارتكاز الذي يكون عليه الاجتماع والوحدة، وأصبح خلفاء النبي عليه الصلاة والسلام ممثّلي الإسلام ومقتضى دلالاته، وبهم تتجلى مركزية هوية المسلمين السياسية والثقافية.30 ولا يُقصد بذلك تصوير الخلافة بهذه الصورة التاريخية الوردية المثالية الخالية من أي نقص، بل على العكس من ذلك، كانت الخلافة مؤسّسةً تجري عليها ظروف المناخ السياسي التي تقوم فيها. بل أتت على الخلافة أيامٌ كانت السلطة السياسية التي تملكها فيها معدومة أو شبه معدومة في ظلّ تقلّب الأحوال وصعود الحركات المعارضة. ولكن هناك ما يمكن استخلاصه من أن المسلمين لم ينادوا يوماً بحلّ الخلافة أو تركها عندما كانت مجرد مؤسّسة رمزية. ولهذا السبب، كان حلّ الخلافة والفترة التي أعقبت ذلك في التاريخ المسلم نقطة فارقة تاريخياً وأنطولوجياً أيضاً.

وتبيّن منى حسن في كتابها «الحنين إلى الخلافة الضائعة» (Longing for the Lost Caliphate) السردية الشائكة والجوانب الرمزية التي تنطوي عليها فكرة الخلافة في المخيال الجماعي للمسلمين باختلاف مكانهم وزمانهم، في وصفها للتداعيات العظيمة التي أعقبت الغزو المغولي على أراضي الدولة العباسية، وإزالتهم للخليفة العباسي في ذاك الوقت:

زاوجت الخلافة التي جسّدت المخيال الجماعي للمسلمين، بين الأرضي (Profane) (أو التاريخ المادي البشري للجماعة) مع النبوي (أو الأوامر والنواهي الدينية المكتسبة من نصوص المجتمع وما تأصّل فيه من ممارساته). وقد تماهى الدنيوي، أو العلماني، مع المقدّس، أو الميتافيزيقي، بطرق مؤثّرة للغاية أضفت على الخلافة صدىً ثقافياً عميقاً عبر مسافات شاسعة وقرون متباعدة حتى… لقد أدّى إزالة الخليفة (العباسي) ونسله إلى تمزيق أحد أهم الروابط الرمزية التي تربطهم بالنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وتاريخهم المشترك.31

إنّ مسألة وجود نظامٍ سياسيٍّ بديل في العالم المسلم لا يقتصر على فكرة وحدة المسلمين وإحقاق إرادتهم. بل على العكس، ففكرة تكوين سياسي متجذّر في المخيال الأمتي هي تعبير عميق عن الوجود في هذا العالم يتجاوز حدود الزمان والمكان، ومعه الحدود القومية. إن التعبير عن الوجود الأمتي، الذي يتجلّى في الخليفة، هو مفتاح يُعيننا على فهم حنين العديد من المسلمين لفكرة الخلافة. وقد وُفّق الدكتور عويمر أنجم في قوله إن الخليفة يمثّل «استمرارية مكانية (أو وحدة) لجميع المسلمين».32 ولهذا تشغل الخلافة حيزاً من المخيال الأمتي. وفي سياق الاستمرارية هذه يربط المسلمين أنفسهم، في ماضيهم وحاضرهم، بذكرى الخلافة باعتبارها نقطة ارتكاز الهوية المسلمة الثقافية والسياسية. ولأن هذه الفكرة لها أبعاد عابرة للحدود، فإنها ذكرى الخلافة تمثّل تحديّاً حقيقياً لهيمنة النظام العالمي الحالي لمّا كانت واحدةً من الأُطر الأنطولوجية التي تتضارب مع الدولة القومية الحديثة وطبيعتها القومية المؤلّهة لذاتها. وهذا الجانب تحديداً هو ما مهّد الطريق لتجريم الخلافة وفعل استحضار ذكراها.

ولا يريد النظام العالمي المهيمن فقط أن يحدّ من التحدّي الذي يمثّله الإسلام وظهور نُظم سياسية بديلة في العالم المسلم. بل تسعى الدول القومية الحديثة إلى البرهنة على قوتها، وهذا الحرص يرجع إلى خوفها من هذا السيناريو المحتمل. وليس المهم هنا أن هذا التحدي قد تحقّق أم لا، فمجرّد تصوّر إمكانية تحقق هذا التهديد يكفي للسعي إلى صدّه. وهذا ما يصفه برايان ماسومي (Brian Massumi) في كتابه «القوة الأنطولوجية: الحروب والقوى وحالة الإدراك» (Ontopower: Wars, Powers, and the State of Perception)، إذ يذهب إلى أن الاستباق بصفته «المنطق التشغيلي للقوة» هو المنطق السياسي الذي يتمايز به عصرنا. وما يجعل هذا المنطق شديد الفاعلية هو كيفية مزاوجته بين «أنطولوجيا وأبستمولوجيا على نحوٍّ يجعله يتعالى على النزوع الذاتي إلى أي تكوين محدّد، وإنما يمرّ بجميع هذه التكوينات».33 وبعبارة أخرى، فإن تهديداً كان يُعرف ذات مرة معرفة يقينية (أي أبستمولوجيا) تحوّل الآن إلى حالة وجود يعرّفها ويحكمها الخوف الاستباقي (أنطولوجيا). ويبيّن ماسومي أن «الخوف دائماً سبب جيد لتبرير اللجوء إلى السياسة المشروطة»،34 لأنّه يمكّن الدول من ممارسة سلطتها استباقياً دون الحاجة إلى تبرير مبني على أسس ملموسة.

أتفق مع ماسوني بأن الاستباقية أصبحت هي المنطق التشغيلي في عصرنا الحالي، إلا أنني أرى أن عناصر من هذا المنطق كانت موجودة منذ فترة ما بعد الاستعمار في العالم المسلم. وبالتماشي مع المحاججة الرئيسة في هذه الورقة، يبيّن القسم الثاني منها كيف وُظّف الخوف الاستباقي لتجريم فعل استذكار البعد الأمتي للخلافة منذ عشرينات القرن الماضي، حتى حلّها وتأسيس الجمهورية التركية في أعقاب ذلك. كما أرى أيضاً أن هذا المنطق التشغيلي قد تبلور بصورته الكاملة مع مرور الوقت في هيئة حملات التضييق الأمني الشديدة التي تتسم بالالتباس والتعقيد العالي في آنٍ معاً، تحت غطاء مكافحة الإرهاب في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولا يُفهم من ذلك أن الفترة بين ۱۹۲٤م و۲۰۰۱م لم يكن لها أي دور مهم في تجريم الوجدان المسلم، ولكن لن تتناول هذه الورقة هذه الفترة الواقعة بين العامين المذكورين.

 

من ۱۹۲٤ حتى ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: تجريم الخلافة

كان العالم المسلم يقف عند مفترق طرق في السنوات التي سبقت حلّ الخلافة وتقسيم الأراضي العثمانية. ورأى البعض نتائج الحرب العالمية الأولى انتصاراً لأفكار الحداثة والتنوير، وكان مما رسّخ هذه الرؤية توسّع رقعة الهيمنة الاستعمارية الأوروبية. خلق كل ذلك رغبةً في نفوس النخب المتعلمنة في أراضي المسلمين برسم مسار مستقبلي لا يكون فيه الإسلام نقطة الارتكاز في الدولة والمجتمع، وكان ذلك هو الحال تحديداً في الجمهورية التركية التي وُلدت من رماد الخلافة العثمانية المنحلة، إذ كان نجاح العلمانية التركية في السنوات الأولى للجمهورية التركية على حساب هذا المخيال الأمتي الذي تجلّى في جميع مستويات المجتمع العثماني. وكانت سياسات مصطفى أتاتورك في السنوات اللاحقة من مشواره السياسي وما انطوت عليه من ترهيب سياسي وانتهازية وقمع المعارضة برهاناً على ضرورة تجريم ذكرى الخلافة وتوظيف الخوف الاستباقي إذا ما أراد إنجاح مشروع بناء الأمة الذي عمل عليه.

لم يُخفِ مصطفى أتاتورك مقته للمجتمع العثماني القديم بعد أن نجح في قيادة حركة التحرير الوطنية ضد قوى الاستعمار الأوروبية، ومثّل إيمانه بتفوّق أفكار عصر التنوير، كالوضعية (Positivism) والتضامنية (Solidarism)، الأساس لمشروع علمنة أجبر الإسلام على الانسحاب من الحياة العامة.35 وقد كان أتاتورك متنبّهً للجذور المتينة للإسلام في مجتمعٍ حكم باسم الله عزّ وجل أكثر من ستة قرون، ولذلك كان واعياً في تحرّكاته الرامية إلى تجريم هذه الذكرى الأمتية وصدّ أي تهديد محتمل لمشروع العلمنة الذي آمن به، بما في ذلك حركات المعارضة والتمرّد. وقد أفضى ذلك إلى تصنيع صورةٍ وطنية ومحلية من الإسلام شكّلتها النخبة العلمانية التي آمنت بمشروع بناء الدولة الذي عمل عليه أتاتورك.36 وبتعبير آخر أصبحت الدولة، وليس الله عز وجل، هي من تشرّع أحكام الدين وتحدّد من هو المسلم «الصالح» ومن هو المسلم «الفاسق».

حرص أتاتورك على التعامل فوراً مع قضية مؤسسة الخلافة في الإصلاحات التي سنّها في المجتمع العثماني لتغييب ذكرى الإسلام من الحياة العامة. فبتاريخ ۳۰ أكتوبر/تشرين الأول ۱۹۲۲م، في أحد جلسات البرلمان التركي التي ترأسّها، قدّم أتاتورك مع نوابه مسودةً أولية لخلع السلالة العثمانية من العرش. وكان هذا المقترح، الذي يعني فصل مؤسسة السلطان عن الخلافة، الخطوة الأولى من تحجيم السلطة السياسية والدينية التي كان يملكها الخليفة. وعلى الرغم من كل ما بذله أتاتورك من جهود لإسكات جميع الأصوات المعارضة، أثار هذا المقترح نقاشاً حامياً بين الكماليين ولجنة الشريعة التي قالت أنه لا يمكن الفصل بين السلطان وبين الخلافة. بل وحتى مع كل جهوده لصياغة خطاب ديني يتماشى مع طموحاته في بناء الدولة، أدرك أتاتورك سريعاً أن لا بد من نهج أكثر عدوانية ملقياً وراء ظهره معتقداته السياسية، إذ صعد إلى المنصة ولوّح بيده وكأنه يحمل سيفاً وأشار إلى عنق العالم المؤثّر «خوجا» مصطفى أفندي قائلاً:

سنحقّق هذا الواقع بفعل ما يلزم، ولكن قد نرى اليوم رؤوساً تُقطع.37

يُعطينا هذا المشهد سيء الذكر لمحةً بسيطة عن سياسات الترهيب التي عمل بها أتاتورك ضد أي شخص قال بأفضلية الخلافة وصون مكانتها المشروعة في مستقبل المجتمع العثماني والعالم المسلم. كان الفصل بين السلطان والخلافة قراراً انتهازياً سعى به أتاتورك إلى ترسيخ قبضته على السلطة. وبات توجيه تهديدات باستخدام العنف أو القتل بحقّ العلماء «المُشكِلين»، فضلاً عن استهدافهم وإقصائهم من البرلمان التركي، أمراً دارجاً في سياساته.

استمر أتاتورك في سياسات القمع والترهيب، ومن ذلك إصداره أوامر بالحلّ الفوري للمؤسسات الإسلامية الحكومية وقطع تمويل الدولة عن مكتب الخليفة في محاولة لإضعاف سلطته.38 وكان الأهم من ذلك هو منع الخليفة في ذلك الوقت، السلطان عبد المجيد الثاني (حكم ۱۹۲۲-۱۹۲٤م)، من تسمية نفسه خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام،39 كما أمر بالدعاء للـ«الأمة والجمهورية» في خطب الجمعة بدلاً من الدعاء للخليفة.40 ويبيّن هذا العداء لمؤسّسة الخلافة النية الواضحة لتجريم جزء من المخيال المسلم، الذي ربط الوجدان المسلم بذكرى النبي محمد عليه الصلاة والسلام. أخضع أتاتورك الإسلام لسلطة الدولة، وحلّ المؤسسات الإسلامية، وأدّى كل ذلك في النهاية إلى حلّ الخلافة عام ۱۹۲٤م، ونجح في قطع الوصال الروحي والمكاني بين الإسلام والمسلمين وتاريخهم. والأهم من ذلك أنه نجح في تمزيق سلطة الإسلام على الوجدان والمخيال المسلم، والتي تركّزت في مؤسسة الخلافة. سعى أتاتورك إلى تحييد هذا التهديد على مشروع العلمنة الذي عمل عليه، ولذلك عقد العزم على حلّ الخلافة. وأحاجج في هذه الورقة أن النظام الأتاتوركي قد تبنّى أنطولوجيا الخوف التي لم تسعى فحسب إلى الحدّ من تهديد قائم، وإنما أيضاً من سيناريو مستقبلي محتمل. فأصبحت الجمهورية العلمانية، بذلك، دولة يعرّفها خوفها من الخلافة التي تملك إمكانية رسم مسار مستقبلي للعالم المسلم، وهو ما كان سيشكّل تهديداً للطموحات القومية لهذا النظام العلماني. وبناء على ذلك، وظّف هذا النظام الخوف الاستباقي لتجريم فعل تصوّر الخلافة أو التعبير عن ذكراها.

من المهم أن نشير إلى أن استراتيجية تجريم الخلافة لم تكن دائماً ظاهرة أمام العلن، فقد بدأت المساعي لإضعاف سلطة الخليفة وشرعيته ومصداقيته قبل فترة طويلة من حلّ الخلافة. فخلال فترة حكم السلطان العثماني محمد السادس (حكم ۱۹۱۸-۱۹۲۲م)، تبنّت النخبة المثقّفة (Intelligentsia) ما أسماه نور الله أرديتش (Nuruallah Ardıç) استراتيجية خطاب فوقي (Meta-Discursive) قامت على إيجاد تبريرات إسلامية لإثبات أن الخلافة العثمانية كانت ذات طبيعة غير إسلامية. وفي هذا الإطار، كان أتاتورك والمفكّرون العلمانيون في البرلمان التركي يستشهدون بروايات مشكوك بصحتها عن تاريخ الخلافة، ويعيدون تأويل الأحاديث النبوية، لاتهام الخليفة الحاكم بالفساد والاستبداد، وأيضاً بارتكاب الخيانة العظمى بحقّ حرمة الخلفاء الحقيقيين.41 وقد وُفّق آرديتش في قوله أن العلمانيين كانوا «يلجؤون في العادة إلى خطاب يجمع بين الأفكار الإسلامية والقومية لتبرير حججهم السياسية الدينية ومواقفهم الأيديولوجية».42

وتكشف إحدى القصص المثيرة عن النائب فوزي بي (Deputy Feyzi Bey) إلى أي حد كان العلمانيون يوظّفون الدين لتحصيل مكاسب سياسية. فكانت النخبة العلمانية تستشهد بمبادئ عقائدية وفقهية في السياسة الشرعية (Islamic Governance) ليبرّروا أقاويلهم بأن من شروط صحة الخلافة أن يكون الخليفة إماماً عادلاً ومجتهداً أيضاً.43 وبناء على ذلك، كان فوزي بي يقول أن المسلمين الحقيقيين في أنحاء أنطاليا يتفقون مع السردية العلمانية بأن الخليفة الحالي لا يستوفي هذه الشروط، ويُستنتج من ذلك أن صلوات الجمعة التي تُقام باسم السلطان الحاكم غير صحيحة.44 لا تُعنى هذه الورقة بتقديم تحليلٍ معمّق للخطاب العلماني في تلك الفترة، ولكن تكشف لنا هذه القصص أن الإسلام نفسه كان يُستخدم لإثبات شرعية حكم الخليفة الحالي تارة، وتارةً أخرى لعزل الخليفة عن المخيال الأمتي، وهذا هو الأهم.

وإذا قفزنا بالزمن إلى فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام ۲۰۰۱م وما يُعرف بالحرب العالمية على الإرهاب، فسنلحظ أن هذا الاستخدام البدائي لهذا المنطق التشغيلي القائم على الخوف الاستباقي في بدايات الجمهورية التركية قد تطوّر وأفرز نظاماً بالغ التعقيد يهدف إلى تجريم الوجدان والمخيال المسلم وفرض تضييقٍ أمني عليه. وقد ألّف غير واحد من الكتّاب العديد من الأعمال التي تناولت الوجدان المسلم، والدولة، ومكافحة الإرهاب. ويذهب العديد من العلماء إلى أن المسلمين يعيشون اليوم في حقبة سياسية أصبح فيها التعبير عن الإسلام يُنظر إليه على أنه «تهديد وجودي يتطلّب إجراءات استثنائية وطارئة خارج حدود ما يمكن اعتباره إجراءات سياسية عادية».45 وقد استُعملت عوامل مثل موجات الهجرة الكبيرة من البلاد ذات الأغلبية المسلمة و«الإرهاب» لخلق حالة من الخوف من عدو يستعصي كشفه ولا تنطبق عليه قواعد القتال المتعارف عليها. وإذا أدركنا أن هذا التهديد المزعوم للدولة موجود على شكل سيناريو ممكن الحدوث، فإن «أنجع طريقة لقتال تهديد غير محدّد هي السعي إلى إنتاجه».46

وإحدى السمات المشتركة التي تجمع المجتمعات المسلمة حول العالم هي بروز الإسلام في مجتمعات تنظر إلى علنية المظاهر الدينية على أنها تهديد. ولننظر إلى أوروبا مثلاً، حيث نجد العديد من السياسيين والمفكّرين المعروفين في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا الذين صوّروا الإسلام على أنه أيديولوجيا سياسية عنيفة في جوهرها تسعى إلى تدمير وغزو طريقة الحياة الأوروبية.47 ولا يقتصر وجود هذه العدائية الجلية للإسلام في السياسات العامة والإعلام، وهما مساحتان كان لوجود هذه الصورة فيهما أن يؤدّي دوراً كبيراً في خلق فزّاعة الإسلام، وإنما أيضاً في الحياة العامة، بحيث أن الوجدان المسلم أصبح فقط كما يعرّفه الآخرون (خطر محتمل على المجتمع)، دون أن يكون قادراً على تعريف نفسه بنفسه. وفي الحالة الفرنسية، التي تفوّقت على الجميع في إفراز الخطاب الإسلامفوبي، أعطى قانون مناهضة الانفصالية، الذي اعتُمد عام ۲۰۲۰م، الحكومة سلطات أوسع لقمع المظاهر الإسلامية في المساحة العامة. فخلال عامين فقط من اعتماد هذا القانون، «تمّ الاستيلاء على ۱۰۳۰ مؤسّسة عامة (منها المساجد والمدارس والمؤسسات الثقافية والرياضية أو المراكز العامة) التي يُعتقد أن من يديرها هم إسلاميون… وقد أدّى ذلك، بحلول عام ۲۰۲۱م، إلى إغلاق ۳۷ مسجد، و٤ مدارس، و۲۱۰ مركز عام على الأقل كانت تحت إدارة مسلمين فرنسيين».48

يتحوّل هذا التهديد غير المحدّد إلى مصدر قلق أكبر من منظور أمن الدولة عندما تطفو على السطح أسئلةٌ عن وحدة المسلمين السياسية وفاعليتهم. وتنحصر النقاشات عن الوجدان المسلم اليوم وفاعلية المسلمين السياسية ومخيّلاتهم بالدرجة الأولى في المساحات المشتركة والاجتماعية نظراً لغياب كتل سياسية بديلة تمثّل احتياجات الأمة السياسية والدينية. وأرى أنه قد جرى أيضاً تجريم التعبير عن وحدة المسلمين وفاعليتهم، بما في ذلك محاولة التأسيس لنظم بديلة تحقّق الفاعلية السياسية للمسلمين منذ حلّ الخلافة. فأصبح وجود مساحات للمسلمين يستذكرون فيها الخلافة باعتبارها تشغل حيزاً من المخيال الأمتي، مع محاولة البناء على هذا الاستذكار لتصوّر مستقبل يكون فيه للمسلمين فاعلية سياسية مستقلة، أصبح سبباً كافياً بنظر الدول للتعامل مع تعبيرات الإسلام والانتماء له (Muslimness) على أنها تهديدات وجودية للأمن القومي. كما أن الدولة، في إنتاجها هي نفسها لهذا التهديد، تستخدم السلطة لتعريف هذا التهديد كما يوافق أهواءها. أي أن النقاشات عن الوجدان والفاعلية لدى المسلمين قد جُرّدت من أي شكل من أشكال الاستقلال خارج الحدود التي ترسمها هذه التعريفات. ولذلك فإن الخلافة، باعتبارها جزء من المخيال الأمتي وامتداداً له، يتمّ تعريفها واحتواءها وحتى تجريمها. أحد الأمثلة البليغة على ذلك هي قيام مسؤولين أمريكيين في مناصب رفيعة بالإشارة إلى «خلافة إسلامية تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا وتحكم بقانون الشريعة» في بدايات الحرب على الإرهاب، وهم بذلك يصوّرون الخلافة على أنها شيء مرعب أو يجب الخوف منه.49

تتميّز كلا الفترتين التي ناقشتهما هذه الورقة بانطوائهما على أنطولوجيا من الخوف. أي أن الفترة الأولى للدولة التركية وفترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وما كان فيها من تضييق أمني على الوجدان المسلم، تتمايزان بخوف من سيناريو مستقبلي ممكن ينتزع فيه المسلمون الحق بكتابة مصيرهم ويستعيدون وجدانهم. وما أريده من التركيز على وصف الخلافة بأنها جزء من المخيال المسلم ليس فقط التركيز على تجريم جزء من المخيال المسلم والوجدان المسلم في هاتين الفترتين، وإنما أيضاً محاولة تبيان المشكلة المتمثّلة في أن هذا التجريم قد أدّى ربما إلى إعادة تشكيل المخيال المسلم والاستذكار، وأعاد أيضاً صياغة مصطلح الخلافة، وربطه بالأطر العملية التي سعى المفكّرون المسلمون جاهدين إلى الهروب منها. وبتعبير آخر أطلب من القارئ أن يحاول الوقوف على فهمه الشخصي للخلافة بسياقها التاريخي وبمفهومها المعاصر. وإذا كان ذلك، فقد يلمس المرء في نفسه الملامح الاستشراقية التي شكّلت أفكار الخلافة التاريخية، ولكنها تكشف أيضاً القيود الذي فرضها المخيال السياسي الدارج اليوم على وحدة المسلمين السياسية.

على الرغم من الجهود المنسّقة لتجريم ذكرى الخلافة وكبته، كما بيّنّا أعلاه، بقيت هذه الذكرى حاضرة في الأمة واستطاعت الصمود في وجه الزمن. وأرى أن العمل على استذكار وسرد هذه الذكرى الأمتية في المساحات الاجتماعية التي يتمّ فيها تجريم الوجدان والفاعلية المسلمتين يستطيع أن يحوّل الاستذكار إلى مقاومة. وهناك أيضاً الأثر الذي أحدثته العولمة بظهور جماعات محلية عابرة للحدود في آنٍ معاً، وما تلا ذلك من تبلور انتماءات محلية وعابرة للحدود، وهو ما شكّل تحدّياً كبيراً لهوية الدولة القومية.50

مع ظهور فاعلين من غير الدول القومية، وهي ظاهرة آخذة بالنمو، وإعادة توزيع السلطة على مستوى بُنى الحوكمة المحلية، تبرز ظروف تمنح الأمل بالقدرة على صياغة نموذج خلافة متحرّر من قيود التصوّرات الاستشراقية، بحيث تكون الخلافة جسماً فوق قومي (Supranational)، أو حتى ما بعد قومي. وصحيح أن الشعبوية قد انفجرت حول العالم استجابة لرؤى المواطنة العالمية التي تسعى إلى تشكيل حكومة عالمية، إلا أنني لا أزال غير مقتنع بأن الشعبوية استطاعت أن تُحدث التأثير الكافي لإيقاف التوجّه العالمي نحو اللامركزية. فعوامل مثل تنامي الترابط الاقتصادي المتبادل (Economic Interdependence) بين الدول القومية، وظهور نظام عالمي متعدّد الأقطاب، وصعود الشركات العابرة للحدود ومتعدّدة الجنسيات على حساب اقتصادات الدول القومية كلها قد ساهمت في تآكل القبضة الشمولية للدول القومية.51 ونتيجة لذلك، أصبحت هذه المساحات الاجتماعية الذي يتمّ فيها إعادة تخيّل الخلافة باعتبارها جزء من المخيال الأمتي بيئة خصبة لتنظيم الشبكات المكانية والاجتماعية والسياسية والثقافية المتجذّرة في روح وسلوكيات إسلامية جماعية.

 

خاتمة

في النظام العالمي المعاصر، الذي أصبحت فيه الدول القومية المهيمنة أشبه بإمبراطوريات، تحوم الكثير من الشكوك حول الاستدامة الطويلة لنموذج الدولة القومية، وتحديداً حول قدرتها على التكيّف مع الظروف المتغيّرة. تفرض الصدوع العميقة التي ظهرت اليوم في المجتمعات السياسية والاجتماعية ضرورة إعادة نظر شاملة في مبادئ الدولة التقليدية. حاولت هذه الورقة، على ما فيها من قصور في شمولية الطرح، أن تتناول كيفية تجريم الخلافة في الماضي وفي الحاضر سواءً باعتبارها ذكرى وباعتبارها إطاراً عملياً سياسياً ممكناً في العالم المسلم. واستندت الورقة في ذلك على تحليل مقارن بين فترتين مفصليتين هما: السنوات التي سبقت حل الخلافة خلال إنشاء الجمهورية التركية عام ١٩٢٤م، وفترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر التي شهدت تضييقاً أمنياً شديداً على الهوية المسلمة تحت غطاء محاربة «الإسلام الراديكالي» وتطبيق تدابير مكافحة الإرهاب.

استخدمت هذه الورقة في تحليلها لهاتين الفترتين مفهوم الخوف الاستباقي كما وضعه برايان ماسوني لتبيّن كيف استُخدم هذا المفهوم لتجريم وقمع أي تحديات كبيرة لنموذج الدولة القومية الحديثة وما يتمتّع به من هيمنة، وكان هذا التحدّي في هذه الحالة هو الإسلام. قدّمت الورقة أيضاً عرضاً موجزاً للمآزق الأخلاقية والسياسية التي تعصف بنموذج الدولة القومية في العالم المسلم مع التركيز على الأهمية الأنطولوجية للخلافة للهوية المسلمة. وفي النهاية، حاججت الورقة أن المساحات التي تمّ فيها تجريم الخلافة، باعتبارها رمزاً للمخيال المسلم، تستطيع تحويل فعل الاستذكار إلى فعل مقاومة. إذا ما أُريد تخيل مستقبل للفاعلية المسلمة، فلا بد أن يشتمل أي تصوّر جديد لنموذج الخلافة في العالم المسلم على عملية اجتثاث التصوّرات الاستشراقية من المخيال الجماعي المسلم.

لقد استطاع نموذج الدولة القومية، بحكم روحه النزّاعة للاستبداد، إلى فرض نفسه نظامًا سياسيًا أوحد في عصرنا، وفوق ذلك احتلّ أيضاً قدرتنا على التخيّل بصفتنا مخلوقات تتمتّع بملكة التفكير. ويمكن الانعتاق من هذه القبضة الشمولية بالتحلّي بالشجاعة الفكرية وتقديم الرؤى النبيهة. وقولنا ذلك لا يُراد منه المبالغة في تبسيط هذه المسائل الشائكة في السياق الاجتماعي السياسي، ولا هي أيضاً مساحة لتقديم صورة وردية مثالية لما يمكن أن يقدّمه نموذج حكم بديل في العالم المسلم اليوم. فالناظر في التاريخ وصناعة العالم، ومنه إنشاء بُنى السلطة، يعرف أن هذه البنى «لم تكن يوماً مستعصية على التغيّر مهما طال عمرها، وأن هذه البُنى تتغيّر وتتحوّل أو تختفي بالكلية سواء حصل ذلك بوتيرة بطيئة أو سريعة».52 ولا يُنكر أحدٌ أن آثار أحداث القرنين التاسع عشر والعشرين لا تزال ملموسة حتى اليوم مع غرق العالم المسلم في حالة من اللايقين السياسي والفلسفي، ولكن لعله يحلو في هذا المقام أن نستذكر كلمات الفيلسوف الشاعر محمد إقبال: «إن (هذا الكون) ليس كوناً مغلقاً، ليس منتجاً نهائياً، ثابتاً غير قابل للتغيّر، ربما ينطوي في أعماق وجود الجوّاني على حلم بخلق جديد».53

 

*          *          *

 

نبذة عن المؤلف

إلهام إبراهيم هي كاتبة وباحثة مقيمة في إسطنبول. حصلت مؤخّراً على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة ابن خلدون. تشمل اهتماماتها البحثية علم اجتماع الدين والعلمانية، وإثنوغرافيا الدولة، وأنثروبولوجيا الإسلام. ركّزت أطروحتها على الإصلاحات الدينية والعلمانية خلال الفترات الاشتراكية في صومال ما بعد الاستعمار. وبعيداً عن العمل الأكاديمي، تحبّ إلهام العمل المجتمعي، والفنون التقليدية، والموسيقى، والشعر، وتهوى أيضاً الكتابة الإبداعية.

 

الاقتباس المقترحة:

إلهام إبراهيم، «تجريم الخلافة: تحويل الاستذكار إلى مقاومة»، ترجمة حمزة غضبان، أمّتكس، ١٤ أكتوبر ٢٠٢٥، https://ar.ummatics.org/criminalizing-the-caliphate

 

هوامش

  1. وائل حلّاق، «الدولة المستحيلة»، ترجمة عمرو عثمان (الدوحة، قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ۲۰۱٤)، ٦۳.
  2. حلّاق، «الدولة المستحيلة»، ۸۳.
  3. Charles Tilly, “War Making and State Making as Organized Crime,” in Bringing the State Back In, eds. Peter Evans, Dietrich Rueschemeyer, and Theda Skocpol (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), 171–172.

  4. حلّاق، «لدولة المستحيلة»، ۷٤.
  5. Irfan Ahmad, “Genealogy of the Islamic State: Reflections on Maududi’s Political Thought and Islamism”, Journal of the Royal Anthropological Institute 15 (2009): S146.

  6. Virgemarie A. Salazar, “The Caliphate in the Era of Nation-States,” FSI Insights 1, no. 6 (2014): 1.

  7. Ovamir Anjum, “Who Wants the Caliphate?” Yaqeen Institute, October 31, 2019, https://yaqeeninstitute.org/read/paper/who-wants-the-caliphate, 21.

  8. Brian Massumi, Ontopower: Wars, Powers, and the State of Perception (Durham: Duke University Press, 2015).

  9. Salman Sayyid, Recalling the Caliphate: Decolonization and World Order (London: C. Hurst & Co, 2014).

  10. René Guénon, The Crisis of the Modern World (London: Luzac and Company, 1942), 10.

  11. في مقالته المحكّمة «نظرية أصل الدولة» [A Theory of the Origins of State)، يقسّم روبيرت كارنيرو (Robert Carneiro) «النظريات الجادة في تفسير أصل الدولة» إذا أخذنا أن «الدولة» هي وحدة سياسية مستقلة تضمّ عدة مجتمعات، إلى نظريات طوعية ونظريات قسرية. وتذهب النظريات الطوعية إلى أن الدول نشأت بقيام الناس في قرية أو مجتمع ما بالتخلّي طوعاً عن سيادتهم الفردية للتوحّد مع مجتمعات أخرى في ظل الفوائد التي سيحصدونها بهذا القرار. أما النظريات القسرية فتقول إن الدول نشأت بالقوة، عادةً عبر الحروب والإخضاع، وليس عن طريق قرارات مستنيرة قائمة على المصلحة الذاتية. انظر:

     Robert Carneiro, “A Theory of the Origins of the State,” Science 169, no. 3947 (1970): 734.

  12. Melvin Vaughan, “After Westphalia, Whither the Nation State, its People and its Governmental Institutions?” (paper presented at The International Studies Association Asia-Pacific Regional Conference, The University of Queensland, September 29, 2011), 6.

  13. Tilly, “War Making and State Making as Organized Crime,” 183.

  14. Tilly, “War Making,” 184.

  15. Tilly, “War Making,” 185.

  16. Nader Hashemi, “Rethinking Religion and Political Legitimacy across the Islam-West Divide,” Philosophy and Social Criticism 40, no. 4–5 (2014): 443.

  17. Charles Taylor, “Modes of Secularism,” in Secularism and its Critics, ed. Rajeev Bhargava (New Delhi: Oxford University Press, 1998), 32.

    لقراءة سرد نقدي مهم لقصة نشأة العلمانية انظر:

    William Cavanaugh, The Myth of Religious Violence: Secular Ideology and the Roots of Modern Conflict (New York: Oxford University Press, 2009).

  18. Hashemi, “Rethinking Religion and Political Legitimacy,” 443.

  19. Hashemi, “Rethinking Religion and Political Legitimacy,” 444.

  20. Joseph Kaminski, Islam, Liberalism and Ontology: A Critical Re-evaluation (New York: Routledge, 2021), 186.

  21. حلّاق، «الدولة المستحيلة»، ص ۱۹.
  22. حلّاق، «الدولة المستحيلة»، ص ۱۹.
  23. Colin Hay and Michael Lister, “Introduction: Theories of the State,” in The State: Theories and Issues, eds. Colin Hay, Michael Lister, and David Marsh (Basingstoke and New York: Palgrave Macmillan, 2006), 5.

  24. Carl Schmitt, “Political Theology” in Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty (Massachusetts: The MIT Press, 1985), 36.

  25. حلّاق، «الدولة المستحيلة»، ۱۰٥
  26. Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity (Stanford: Stanford University Press, 2003), 179.

  27. البقرة: ۳۰.
  28. Ovamir Anjum, “Who Wants the Caliphate?” 19.

  29. سلمان سيّد، «استعادة الخلافة: تفكيك الاستعمار والنظام العالمي»، ترجمة محمد السيّد بشرى (بيروت، لبنان: الشبكة العربية للأبحاث والنشر)، ۲۷.
  30. S. Sayyid, A Fundamental Fear: Eurocentrism and the Emergence of Islamism (New York: Zed Books Ltd, 1997) 53-57.

  31. Mona Hassan, Longing for the Lost Caliphate: A Transregional History (Princeton: Princeton University Press, 2016), 31–33.

  32. Anjum, “Who Wants the Caliphate?” 21.

  33. Brian Massumi, Ontopower: Wars, Powers, and the State of Perception, 5.

  34. Massumi, Ontopower, 13.

  35. Tolga Köker, “The Establishment of Kemalist Secularism in Turkey,” Middle East Law and Governance 2, no. 1 (2010): 20.

  36. Umit Azak, Islam and Secularism in Turkey: Kemalism, Religion, and the Nation State (London: I.B. Tauris & Co Ltd, 2010), 49.

  37. Köker, “The Establishment of Kemalist Secularism in Turkey,” 24.

  38. Köker, “The Establishment of Kemalist Secularism in Turkey,” 28.

  39. Sayyid, A Fundamental Fear, 58.

  40. Azak, Islam and Secularism in Turkey, 51.

  41. Nurullah Ardıç, Islam and the Politics of Secularism: The Caliphate and Middle Eastern Modernization in the Early 20th Century (Abingdon: Routledge, 2012), 288.

  42. Ardıç, Islam and the Politics of Secularism, 242.

  43. Ardıç, Islam and the Politics of Secularism, 270.

  44. Ardıç, Islam and the Politics of Secularism, 259.

  45. Jocelyne Cesari, “Securitization of Islam in Europe,” Die Welts des Islams 52, no. 3/4 (2012): 430.

  46. Brian Massumi, Ontopower, 12.

  47. Cesari, “Securitization of Islam in Europe,” 434–435.

  48. Rayan Freschi, “OPINION: How France’s Anti-Separatism Law Fits into Wider Islamophobic Persecution,” Anadolu Agency, July 24, 2021, https://www.aa.com.tr/en/analysis/opinion-how-frances-anti-separatism-law-fits-into-wider-islamophobic-persecution/2313118.

  49. Elisabeth Bumiller, “White House Letter: Watchword of the day – Beware the caliphate,” The New York Times, Dec 11, 2005, https://www.nytimes.com/2005/12/11/world/americas/white-house-letter-watchword-of-the-day-beware-the-caliphate.html.

  50. Arjun Appadurai, “Sovereignty with Territoriality: Notes for a Postnational Geography,” in The Geography of Identity, ed. Patricia Yaeger (Ann Arbor: The Michigan Press, 1996), 42.

  51. Vaughan, “After Westphalia,” 17.

  52. Vaughan, “After Westphalia,” 17.

  53. محمد إقبال، «تجديد الفكر الديني في الإسلام»، ترجمة محمد يوسف عدس (القاهرة، مصر: دار الكتاب المصري. بيروت، لبنان: دار الكتاب اللبناني)، ۲۸.

اكتشف المزيد

الخيال ومستقبل الأمّة

ديسمبر 21, 2025
صادق حامد

هل التراجع عن العولمة أمرٌ واقع؟ وماذا يمكننا أن نفعل حياله؟

ديسمبر 4, 2025
د. عويمر أنجم

التشكيك في الخلافة

نوفمبر 25, 2025
د. عثمان بدر

يبحث

يبحث

التنقل

ملتقيات أمّتكس
مجالات الاهتمام
أوراق بحثية
الاصدارات
عن أمّتكس
يبحث