منذ آب/أغسطس ٢٠١٩، عزّزت الحكومة الهنديّة مشروعها الاستيطاني-الاستعماري في كشمير المحتلة بسنّها تعديلات قانونيّة مفصليّة، ومنعت كلّ أشكال الاحتجاج والمعارضة. وبينما فتحت التغييرات الأخيرة في قوانين الإقامة وحقوق التملّك الأبواب على مصارعها أمام المواطنين والشركات الهندية للإقامة والعمل وشراء العقارات في كشمير، يعتقد الكشميريّون أنّها ستفضي إلى تحوّل ديمغرافي يجعل الإقليم ذي الأغلبية المسلمة ذا أغلبية هندوسيّة. ويعني ذلك تجريد مسلمي كشمير من أراضيهم وبيوتهم وفرص عملهم، بل وربما، كما يخشى كثيرون، الانزلاق إلى تطهير عرقي في ظلّ الظروف العسكريّة المشدّدة التي ستتمّ فيها. وتأتي هذه التطوّرات في سياق احتلال مستمرّ منذ أكثر من سبعين عاماً، حرمَت فيه الحكومة الهندية – بتواطؤ من المجتمع الدولي – شعبَ كشمير من حقّه في تقرير المصير، وأبقت على أكبر احتلال عسكري في العالم، وارتكبت جرائم حرب وانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، من بينها القتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والاحتجاز الوقائي، والتعذيب، والاغتصاب، والاشتباكات المفتعلة، وهدم المنازل، وغير ذلك.
باستثناء باكستان، التي تُعَدّ طرفاً في النزاع وتلتزم بحقّ الكشميريّين في تقرير المصير، يُعاب على المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول ذات الأغلبيّة المسلمة، الإهمال في تعاملها مع هذا العدوان المستمر. ففي النظام الجيوسياسي السائد، يُنظَر إلى الهند بوصفها قوّةً اقتصاديّة صاعدة وسوقاً مهمّة للتجارة وحليفاً ديمقراطيّاً موثوقاً، أو سدّاً أمام قوى إقليميّة أخرى – وفي مقدّمتها الصين. ومع أنّ معظم الدول ذات الأغلبيّة المسلمة تُردِّد بين الفَينة والأخرى شعارات تضامنٍ مع كشمير، فإنّها تحافظ في الواقع على علاقات جيّدة مع الهند، حتّى تحت سلطة حكومة تنادي بالتفوّق الهندوسي تحت رئاسة ناريندرا مودي. وبالنظر إلى الكيفيّة التي تنتهجها الدول القومية المسلمة اليوم (كغيرها من الدول القومية) نجد أنّ مفهوم التضامن أو المسارعة لنصرة جماعة مسلمة منكوبة يكاد يكون منعدماً في مقابل حساباتٍ استراتيجيّةٍ لمكاسب وخسائر اقتصاديّة وسياسيّة. لهذا نشهد مواقف من قَبِيل منحِ حكومة الإمارات وساماً لمودي في ذروة الحصار على كشمير، أو تصريحِ رئيس الوزراء الباكستاني (مع كثير من قادة الدول ذات الأغلبية المسلمة) – وهو الغارق في الديون للصين – بأنّه لا يعلم ما يحدث للأيغور. ولا ينبغي النظر إلى هذه المواقف على أنّها تُسقط فكرة الأمّة الإسلاميّة العالميّة، بل هي نتيجة للنّظام الدولي السائد والذي يعاني من خلل عميق.
لقد خذل هذا النظام – المؤلّف من دول وشعوب منشغلةٍ بحفظ ذواتها ومنطقِ رأس المال النيوليبرالي – شعبَ كشمير، كما خذل شعوب المناطق الأخرى المحتلّة أو المستعمَرة أو المضطهَدة حول العالم، من الفلسطينيّين والأيغور إلى اليمنيّين والأفغان والروهينغيا وغيرهم. ولم يكتفِ هذا النظام بالصمت أمام الظلم، بل ساهم فعلياً في تغذيته عبر صفقات السلاح والدفاع، واتفاقات التجارة، وآليّات القوّة الناعمة (soft power). فضلًا عن ذلك، فإنّ المؤسّسات التي وُجدت للحدّ من شطَط المنظومة الدوليّة أو لتقييد عنف الدول وجرائم الإبادة بحقّ الجماعات المستضعَفة – مثل الأمم المتّحدة، أو الآليّات المسمّاة بـ «القانون الدولي» – إمّا عاجزة، أو أنّها لا تُستخدَم إلا ضدّ الفواعل التي تتحدّى النظام الإمبريالي والنيوليبرالي المهيمن حول العالم. وهكذا تكرّس هذه المؤسّسات الإملاءات الإمبرياليّة الأوروبّيّة-الأميركيّة على حساب خيرية مليارات البشر في مختلف أنحاء العالم.
ومع ذلك، وعلى الرغم من محدوديّة استجابة النظام العالمي القائم، ما تزال الجماعات المقهورة في أنحاء العالم الإسلامي تتوجّه بنداءاتها إلى مراكز القوّة الدوليّة، سواء في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أوروبّا. ففي حالة بعض المجموعات مثل الإيغور – الذين تجاهلتهم إلى حدّ مأساوي الدول ذات الأغلبيّة المسلمة، كما تجاهلهم كثير من اليساريّين الذين يرفضون، بحجّة مناهضة الإمبرياليّة، مساءلة الإمبرياليّات الأخرى (بما في ذلك روسيا والصين، وإلى حدٍّ ما الهند) – فإنّ ذلك يعني العمل من خلال مراكز المجتمع الدولي للفت الأنظار إلى مأساتهم. وفي الوقت نفسه، يُستغلّ حضورهم في هذه الفضاءات لخدمة الأهداف الإمبرياليّة الغربية. أمّا الكشميريّون، فقد أدركوا أنّ الأمّة حول العالم إمّا خانتهم أو أعرضت عنهم، ولذلك فكثيراً ما يلجؤون هم أيضاً إلى السلطة الأخلاقيّة للأمم المتّحدة أو غيرها من المؤسّسات الدوليّة كي تفعل المزيد، غير أنّ هذه النداءات لم تُجْدِ شيئاً في ظلّ دعم القوى العالميّة للهند.
أمام هذا الواقع المزري، ينبغي أن تتّجه أنظارنا إلى إعادة تشكيل النظام الدولي القائم، وبناء نظامٍ تكون فيه الكرامة الإنسانيّة والعدالة والانسجام في مركز الاهتمام قبل معايير الربح والمصلحة الوطنية. وأرى أنّ هذا ما يجب أن يكون الأساس لمخيال عالمي متمحور حول الأمّة، وأستند هنا إلى التصوير الحاد الذي يقدّمه الدكتور عويمر أنجم للنظام العالمي الراهن في مقالته «من يريد الخلافة؟»، حيث يجادل قائلاً:
اليوم، ومع تزايد فشل شكل الدولة هذا على نحوٍ مُذهل، وتكاثر ضحايا الاقتصاد النيوليبرالي والانهيار البيئي العالمي، واقتراب المنظومة العالميّة من مرحلة التفكّك والتراجع عن العولمة وصعود النزعات المحلّيّة، تزداد في أوساط المسلمين حول العالم قوّةُ فكرة الخلافة بوصفها البديل الحضاري الوحيد القادر على حماية مصالح أشدّ الفئات ضعفاً.
فكيف يمكن أن يبدو هذا التصوّر العالمي المتمحور حول الأمّة؟ ما هي ملامحه؟ وكيف سيحمي أشدّ الفئات ضعفاً في مجتمعاتنا؟ وكيف سيتعامل مع الأزمات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة المستمرّة في العالم الإسلامي وخارجه؟ وأيّ بديل حضاري يمكن أن يقدّمه إزاء النظام العالمي الليبرالي العلماني الإمبراطوري؟ وما الذي يلزمنا لبلوغ تلك المرحلة؟ آمل أن يُتاح تناولُ جميع هذه الأسئلة، وغيرها، عبر ملتقى «أُمَّتِكس». فهذه الأسئلة ليست، في نظري، نقاشاتٍ نظريّة أو تاريخيّة مجرّدة فحسب، بل هي نقاشات ذات تبعات مادّيّة ملموسة تتعلّق بالحياة والموت بالنسبة لأشدّ الناس ضعفاً بيننا.
ومع شروع هذا الملتقى في معالجة هذه الأسئلة المحوريّة، من المهمّ التنبيه إلى نقطتين أساسيّتين: الأولى، أنّني أودّ التأكيد مجدداً أنّ هذا التصوّر يمكن أن يتعايش مع حركاتٍ عابرة للحدود الأخرى تسعى إلى تحقيق العدالة، ولا ينبغي النظر إليه بوصفه تصوّراً حصرياً للمسلمين. فالنداء النبوي، ومن ثمّ التصوّر المتمحور حول الأمّة، إنّما هو رحمةٌ للإنسانيّة جمعاء، وكيفيةُ ضمان ذلك ستكون واحدةً من التحدّيات التي ينبغي التفكير فيها.
وأخيراً، فإنّ الذين دَعَوا إلى التفكّر في بدائل سياسيّة للمستقبل قد انشغلوا كذلك بسؤال تفكيك الاستعمار (Decolonization). فكيف يمكننا أن نجمع بين النقاشات الدائرة حول إزالة الاستعمار وبين النقاشات حول تصوّرٍ متمحور حول الأمّة؟ كيف سيلتقيان، وكيف سيفترقان؟ والأهمّ من ذلك: كيف يمكن لكيانٍ سياسيّ متمحور حول الأمّة أن يتجنّب إنتاج أشكالٍ جديدة من اللامساواة أو الظلم؟
* * *
الاقتباس المقترحة:
حفصة كنجوال، «حماية المستضعَفين: إخفاقات النظام الليبرالي وآفاق خلق مخيال عالمي أمّتي»، ترجمة أنس خضر، أمّتكس، ٢٩ أبريل ٢٠٢٦، https://ar.ummatics.org/protecting-the-vulnerable-failures


