لقد طُرِح سؤال «إلى أين تمضي الأمة؟» من قبل، وفي ظروف لم تكن أقلَّ تهديداً مما تواجهه الأمّة الإسلاميّة اليوم، بل وبالقدر ذاته من الإلحاح إنْ لم تكن أشد: في سنة ١٩٢٤م، حين أُلغِيَت حتى الخلافة الاسمية؛ وفي شباط/فبراير ١٢٥٨م، حين لُفَّ المستعصم بالله – الذي سيسجِّله التاريخ آخرَ الخلفاء العباسيين السبعة والثلاثين – في بساط وداسته أقدام خيول المغول، بعد ثلاثة عشر يوماً من سفك الدماء والنهب والاغتصاب وإحراق «مدينة السلام»، وغير ذلك من الظروف التاريخية.1
فهناك أزمنة أخرى، أشدّ قسوة في المسار التاريخي لحياة الأمّة، برزت فيها أسئلة البقاء بكلّ ثقلها: الفتنة الأولى (٣٥-٤١هـ/٦٥٦-٦٦١م) التي شهدت – مما شهدته من مِحَن – «وقعة الجمل»، حين وجد أولئك الذين جمعت بينهم المحبة التي قذفها الله في قلوبهم، في حضرة النبي صلّى الله عليه وسلم، أنفسهم يتقابلون بسيوف مسلولة في ساحة القتال في البصرة، في يوم بارد بعد الهجرة بستٍّ وثلاثين سنة؛ يومٌ تجلَّى فيه، بأصداء مدوِّية، انحجابُ نعمة ربانية خاصّة ذكَّر الله بها نبيَّه وهو في المدينة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.2 والبصرة، كما نتذكَّر، أسَّسها الصحابة رضي الله عنهم كمدينة ثغر، قُتِل بعضُهم فيها على يد بعض في واقعة الجمل التي خلَّفت عشرة آلاف قتيل.3 وقد أسَّس الصحابة تلك المدينة عندما بعثهم إليها عمر بن الخطاب (١٣-٢٣هـ/٦٣٤-٦٤٤م)، رضي الله عنه وعن جميع الصحابة، فأصبحت مقرَّ الجيش الإسلامي الذي هزم الدولة الساسانية وفتح فارس و«بلاد ما وراء النهر» (آسيا الوسطى اليوم) – تلك المنطقة التي أنجبت خيرة علماء الإسلام على مدى قرون.
وبالمثل، لا يزال المرء يقشعّر لمجرَّد استحضار سؤال «إلى أين تمضي الأمة؟» في زمن الفتنة الثانية (٦٠-٧٣هـ/٦٨٠-٦٩٢م)، التي استُشهِد خلالها سبط النبي، الحسين بن علي (٤-٦٠هـ/٦٢٦-٦٨٠م) رضي الله عنهما، في كربلاء سنة ٦٠هـ/٦٨٠م، ثم لقي عبد الله بن الزبير (١-٧٣هـ/٦٢٣-٦٩٢م) رضي الله عنه، ابن الزبير بن العوّام بن خويلد القرشي الأسدي (٢٨ق.هـ-٣٦هـ/٥٩٤-٦٥٦م)، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة على لسان النبي صلّى الله عليه وسلم المصيرَ نفسه سنة ٧٣هـ/٦٩٢م، رضي الله عنهم أجمعين.
وأشدّ من ذلك في المسار نفسه، في قلب طَوْر تشكُّل الأمّة ذاتها، حين أحاطت بالأمة كلّها أضخمُ قوّة عسكريّة رأتها المدينة في تاريخها: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾.4
ومع ذلك، أرى الله سبحانه وتعالى رسولَه في ذلك اليوم نفسه قصورَ القوّتين العظميين في زمانه، اللّتين كانتا ستزولان من على وجه الأرض في حياة أصحابه الذين كانوا يومئذ في المدينة يواجهون تهديداً وجودياً لم يعهدوا مثله من قبل. كان النبي صلّى الله عليه وسلم بنفسه في الخندق؛ وقد سدّت صخرةٌ عظيمةٌ الطريقَ أمام مواصلة الحفر، وكان الوقت يضيق قبل وصول جيش الأحزاب المؤلَّف من نحو ١٠ آلاف مقاتل. وفي مثل هذه الظروف أُعطي النبي مفاتيح الشام، فرأى قصورها الحُمر حين ضرب الصخرة التي كانت تعوق حفر الخندق. ثم أُعطي مفاتيح فارس، فأُري القصر الأبيض بالمدائن عندما ضربها ثانية. ثم أُعطي مفاتيح اليمن، فرأى أبواب صنعاء وهو يهوي بالضربة الأخيرة.5
غير أنّنا لسنا في زمن النبي ولا في زمن أصحابه، ولا حتى في القرن الثالث عشر الميلادي، حين أوقفت معركة عين جالوت (رمضان ٦٥٨هـ/سبتمبر ١٢٦٠م) زحف المغول وأُعيد إحياء الخلافة في مصر على يد المماليك الذين رعَوا نشوءَ تقليدٍ علمي صارم، وفي ظلّهم تبوأت مدينتا القاهرة ودمشق منزلة الحاضنتين الفكريتين الجديتين للعلوم الإسلامية. أمّا اليوم، فإن الأمّة تواجه تهديداً وجودياً لا هو هامشي ولا إقليمي، بل يشمل الأمّة برمّتها ويمسّ لبَّ عقيدتها وثوابتها على نحوٍ لم يُشهد له مثيل من قبل.
* * * * *
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الأممُ أن تَداعَى عليكم، كما تَداعَى الأكَلةُ إلى قصْعتِها، فقال قائلٌ: ومن قِلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعَنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ وما الوهْنُ؟ قال: حبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ».6
يعلم معظم المسلمين أنّ هذه النبوءة تتحقّق في زماننا؛ غير أنّ بعضهم أَوْعى بذلك من غيرهم لأنهم يحيَون التجربةَ في الواقع، حيث هيمنت سائر الأمم على حياتهم بالفعل. هؤلاء هم الضحايا المباشرون للصراعات الداخليّة والاحتلالات الخارجيّة المشتعلة في ديار الإسلام التاريخيّة، حيث كانت أمةُ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم تعيش زمنًا دون أن تُضطرّ إلى مواجهة اقتحام حضارةٍ دخيلة بكلّ ما تحمله من أشكال العدوان. أمّا اليوم، فيعيش المسلمون داخل دولٍ قومية، يحكم معظمَها مستبدّون لا يمثّلون شعوبهم، من ملوك متسلّطين نصّبوا أنفسهم، ورؤساء يصلون إلى السلطة بـ ٩٥٪ من الأصوات. وهذه الدول لا تتحرّك أمام معاناة المؤمنين المفجعة في فلسطين وكشمير وتركستان الشرقيّة وأفغانستان وبورما والعراق وسوريا وسواها من بقاع الأرض، فمعاناتهم لا تتجاوز في الغالب ضجيجاً عابراً بين أهل الحكم؛ تُصدَر بيانات، ثم تُنسى، وتستمرّ المعاناة.
ولن يكون في الأمر مبالغةٌ إذا قيل إنّ الأمّة اليوم مشلولةٌ سياسياً واقتصادياً، رغم ما لدى بعض الدول القوميّة من وهم الاستقلال السياسي وثروةٍ ظاهريّة. فمؤسّساتها التعليميّة والرسميّة، وأنماط نشاطها الاقتصادي، وأشكال تعبيرها الفنّي والأدبي، بل وممارساتها اليوميّة وطرق عيشها، يُعاد تشكيلها بوتيرةٍ متسارعة لتتلاءم مع قالب حداثةٍ علمانيّة مستوردة. وهذه التحوّلات أسرع في بعض الدول ذات الأغلبيّة المسلمة منها في غيرها، لكنّ الاتّجاه العامّ الذي تسير فيه الأمّة كلّها واحد. ففي الدول الإسلاميّة الستّ الأكثر ثراءً، بلغ النفوذ الغربي حدّاً جعلها، عملياً، امتداداتٍ للمجتمعات الغربية؛7 فمن التعليم إلى الاقتصاد، ومن الزراعة إلى الأسواق، يجري تحويل كلّ شيء. وقد افتتحت جامعات أمريكيّة عديدة فروعاً لها في الدول الستّ الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، إضافةً إلى ما كان قائماً أصلاً من شبكات المدارس ذات النمط الغربي. ومثل هذا التحكّم في التعليم يعني أنّ الجيل القادم في هذه البلدان سيفكّر ويعمل ويعيش على طريقة الأمريكيّين.
وعلى الجانب الآخر، هناك دول ذات أغلبيّة مسلمة تُعَدّ الحياة اليوميّة فيها كفاحاً مستمراً لملايين المؤمنين. وهذا التفاوت شديد بحيث يكاد يصعب معه تصوّر أنّ مسلمي الصومال ودولة الإمارات ينتمون إلى أمّةٍ واحدة، أو أنّ الكويت والبحرين والسعوديّة والإمارات، التي تُصنَّف – وفق منظّمة الصحّة العالميّة – ضمن أعلى عشر دول في العالم في معدّلات البدانة،8 تشارك الكوكب نفسه مع إخوانهم في الصومال وأفغانستان حيث تتجاوز معدلات سوء التغذية ٣٥٪ من السكان.9 فكيف وصلت الأمّة إلى هذا الحال؟
* * * * *
تكفي نظرة سريعة إلى التاريخ لاستنتاج أنّ معظم الدول القوميّة المسلمة المعاصرة قد نشأت في سياق إعادة تشكيلٍ كبرى للعالم بعد الحرب العالميّة الثانية، أُطلِق عليها – على سبيل التلطيف – اسم «إنهاء الاستعمار» مع أنّها كانت في حقيقتها «إعادةَ استعمار». ومن منظورٍ استرجاعي يتبيّن أنّ قوى الاستعمار القديمة أدركت أنّه لم يَعُد ممكناً لها التمسّك بمستعمراتها بالطريقة نفسها التي حكمتها بها منذ أوّل قدومها إلى تلك الديار، فالظروف المتغيّرة كانت تستلزم آليةً جديدة، فاختُرعت هذه الآلية ووُضِعت موضع التطبيق بسرعةٍ خاطفة. ونتيجةً لذلك «وُلِدت» دولةٌ قوميّةٌ تلو أخرى، جنباً إلى جنب مع «أبٍ للأمّة» يكون في الغالب ضابطاً في الجيش الاستعماري. وقد أُدرِجت هذه الدول القوميّة الجديدة في النظام العالمي الآخذ في التشكّل بسرعة؛ فكانت عادةً تبدأ مسيرتها من أسفل السلّم بتقديم طلب الانضمام إلى هيئة الأمم المتّحدة التي أُنشِئت رسمياً في ٢٤ تشرين الأوّل/أكتوبر ١٩٤٥م بهيكلٍ غير ديمقراطي يتربّع مجلس الأمن على قمّة هرم اتخاذ القرار فيه، وقد مُنِح «حقّ النقض» لما يُسمّى «الأعضاء الخمسة الدائمين» (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين). ومن المهمّ التنبيه إلى أنّ القوى الاستعمارية الثلاث القديمة – بريطانيا وفرنسا وروسيا – قد اعترفت بحصّة الولايات المتحدة في التوزّع الجديد للقوّة، نظراً لقوّتها العسكريّة والاقتصاديّة التي ظهرت بوضوح في الحرب العالميّة. وكانت الصين «عضواً دائماً عَرَضياً» في مجلس الأمن، لأنّ إدراجها ضمن مجموعة الدول ذات حقّ النقض كان موجّهاً في الأصل إلى «جمهورية الصين» التي كانت جزءاً من الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. غير أنّ هذه الجمهورية حُصِرت بعد أربع سنوات في جزيرة تايوان، ومن ثمّ بدأت معركةٌ طويلة على هذا المقعد في مجلس الأمن لم تُحسَم إلا سنة ١٩٧١م.10
لقد شُجِّع ظهور الدول القوميّة لأنّها كياناتٌ أصغر وأسهل ضبطاً. فقد كان هناك ٥١ «دولةً مؤسّسةً» للأمم المتحدة سنة ١٩٤٥م، أمّا اليوم فيبلغ عدد أعضائها ١٩٣ دولة. وإلى جانب ذلك ضُمِنَ التحكّم الاقتصادي بالعالم من خلال إنشاء مؤسّساتٍ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سنة ١٩٤٤ في مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي «مؤتمر بريتون وودز».
وقد قام الحكّام المسلمون بدورهم بإنشاء منظّمةٍ عابرةٍ للحدود، لكنّهم فشلوا فشلاً ذريعاً في تحقيق أيّ شيءٍ من خلالها؛ إذ أنها كانت صورة كاريكاتورية من هيئة الأمم التي أقاموها بعد إحراق المسجد الأقصى في القدس المحتلّة سنة ١٩٧٠م. فهذا النادي الاجتماعي الزائف فوق الدول، المسمّى «منظمة التعاون الإسلامي»، لا يعدو أن يكون واجهةً يختبئ خلفها الطغاة، ومن خلاله يصدرون بلا انقطاع بياناتٍ وقراراتٍ بعد اجتماعاتهم – قراراتٍ لم تُحرّر شبراً واحداً من أرض فلسطين، ولم تمنع مذبحةً واحدةً بحقّ المؤمنين في أفغانستان والعراق وفلسطين وكشمير وسواها من الديار.
كانت هذه التطوّرات المؤسّسية في الواقع جزءاً من عملية إعادة تشكيلٍ كبرى للعالم. وقد تسارعت وتيرة التحوّل العالمي أضعافاً مضاعفة منذ أحداث ١١ أيلول/سبتمبر، عبر «حرب الإرهاب» المحكمة التنفيذ – التي من الخطأ البالغ تسميتها «الحرب على الإرهاب» – والتي أخضعت معظم الأمّة المسلمة لاستبداد ملوكٍ وأمراء «معدَّلين وراثيّاً»، وقادةٍ عسكريّين، ورموزٍ من صناعة الترفيه، بما في ذلك أبطال الرياضة الذين تحوّلوا إلى ساسة، وخبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذين يُقذَف بهم إلى الكيانات السياسيّة العاجزة حين توشك اقتصاداتها على الانهيار.
إنّ انتشار الحداثة العلمانيّة يمسّ جميع الأديان، غير أنّه مناقضٌ للإسلام على وجهٍ خاص، أساساً لأنّ كليهما يقدّم ادّعاءاتٍ بالشموليّة والعالميّة. وهذه السمة من سمات الأزمة الراهنة تعني أنّه لم يَعُد ممكناً تأطير هذا النقاش في ثنائيّة «الإسلام والغرب»؛ فقد حُطِّمت الحدود الجغرافيّة بفعل الانتشار التكنولوجي. نحن الآن أمام صراعٍ عالمي بين رؤيتين كُلّيّتين للعالم. ومع ذلك، فإنّ الرؤى للعالم ليست إلا ثمرة المعتقدات التي يحملها بشرٌ حقيقيّون يعيشون اليوم في دولٍ قوميّة، تتحكّم الحكومات في شؤونهم الدنيوية إلى درجةٍ لم يكن ممكناً تصوّرها قبل عقدين فقط. إنّ طبيعة وحدود السلطة الضابطة التي تمارسها الدولة القوميّة الحديثة أمرٌ غير مسبوق في تاريخ الإنسانيّة. وقد كان أثرها على الأمّة مدمِّراً بسبب التسليم شبه الكامل من قِبَل النخب الحاكمة للحداثة العلمانيّة. ففي معظم البلدان المسلمة أصبحت البُنى المؤسّسيّة الحاكمة، ونُظُم التعليم، والشرايين الاقتصاديّة والاجتماعيّة للتغيير، بل والهواءُ نفسه، ملوَّثةً بالحداثة. ولم يَعُد ممكناً ردّ هذه الخلاصات بالاستشهاد بمبادراتٍ معزولة – ليس لها وزن حقيقي في نهاية المطاف – تنبت هنا وهناك في العالم الإسلامي؛ فالمسألة هي مسألة تغيّر القبلة، أي الاتجاه الذي تسير نحوه المجتمعات المسلمة.
هذا التغيّر جزءٌ من نجاح مشروع الإصلاحيّين في القرن التاسع عشر الذين رغبوا في اللّحاق بالغرب في ميدان العلم والتقنية، وغالباً من غير تمييزٍ واضح بين العلم والتكنولوجيا. أمّا خلفاؤهم في أواخر القرن العشرين فقد بدأوا يميّزون بينهما، وصاروا يتحدّثون كثيراً عن «نقل التكنولوجيا». أمّا الجيل الراهن فلا وقت لديه لمثل هذه النقلات؛ إنهم يريدون أنظمةً جاهزة (تسليم مفتاح) تدخل حيّز العمل فوراً، وتحوِّل بلدانهم إلى المثال المنشود في غمضة عين: مشاريع مدنٍ عملاقة في الصحارى التي ظلّت على حالتها الطبيعيّة العذراء قروناً طويلة، وتنافسٌ محموم في تشييد الأبراج الشاهقة – على نحوٍ بالغ الدلالة ممّا أخبر به خير الخلق صلى الله عليه وسلم – وسباقاتٌ لشراء أسلحةٍ فتّاكةٍ بمليارات الدولارات لتكوين جيوشٍ تُجهَّز على عَجَل لقتال مسلمين آخرين، وتكاثرٌ سريع لفروع الجامعات الأمريكيّة في بلدانٍ لم يكن يُكاد يُعثر فيها على خرّيجي ثانويّات في الجيل السابق، والقائمة تطول. إنّ ما غرسه أولئك الإصلاحيّون من طلائع الحداثة في القرنين الماضيين قد بدأ الآن يؤتي ثماره بغزارة. ولعلّ أولئك الروّاد الأوائل للحداثة لم يكونوا يدرون عواقب ما يدعون إليه، غير أنّ ذلك لا يغيّر من حقيقة النتائج شيئاً.
* * * * *
ما الذي حدث؟ وكيف؟ ومتى؟
لكي نرسم صورة الحاضر بقدرٍ من العمق التاريخي، نحتاج إلى إطلالةٍ سريعة على تدمير ثلاث إمبراطوريّاتٍ كانت تبدو قويّة في الإقليم الجغرافي الذي ترسّخ فيه الإسلام قروناً طويلة: العثمانيّة (٦٨٩–١٣٤٣هـ/١٢٩٠–١٩٢٤م)، والصفويّة (٩٠٧–١١٣٥هـ/١٥٠١–١٧٢٢م)، والتيموريّة الهندية (٩٣٣–١٢٧٤هـ/١٥٢٦–١٨٥٧م). لقد بلغت هذه الإمبراطوريات صيغتها الخاصة من خلال إعادة تشكّل كبرى للعالم الإسلامي خلال القرن ونصف القرن الواقع بين سقوط بغداد سنة ١٢٥٨م وبزوغ فجر القرن الخامس عشر؛ وهي فترة تعافت فيها ديار الإسلام التقليديّة من الدمار واسع النطاق الذي خلّفته الغزوات المغوليّة. صحيح أنّ بغداد لم تستعد مجدها السابق ولا مكانتها عاصمةً فكريّة للعالم الإسلامي، لكن برزت في مقابلها مراكز جديدة جذبَت العلماء والباحثين، منها أقاليم الحكّام التيموريّين اللاحقين مثل تيمور (٧٧٢–٨٠٨هـ/١٣٧٠–١٤٠٥م)، وشاه رخ (٨٠٨–٨٥١هـ/١٤٠٥–١٤٤٧م)، وأولغ بيك (٧٩٦–٨٥٣هـ/١٣٩٤–١٤٤٩م).11 وأصبحت القاهرة قلب الحياة العلميّة الإسلاميّة، وحافظت على صدارتها في عهد سلطنة المماليك (١٢٥٠–١٥١٧م). أما سلطنة دلهي (١٢٠٦–١٥٢٦م)، النظير المشرقي لسلطنة المماليك في شبه القارة الهنديّة، فقد جذبت كثيراً من العلماء المسلمين الفارّين من الغزو المغولي، وظلّت مركزاً علمياً لثلاثمائةٍ وعشرين عاماً، توسّعت خلالها توسعاً مطّرداً تحت حكم سلسلة من السلاطين اللامعين مثل علاء الدين خلجي (تولّى ٦٩٦–٧١٦هـ/١٢٩٦–١٣١٦م) ومحمد تغلق (٧٢٧–٧٥٣هـ/١٣٢٥–١٣٥١م). ومن خلال هذا الاصطفاف الكبير، الذي تمخّض عن الإمبراطوريّات الثلاث المشار إليها، استعاد العالم الإسلامي قوّته وحيويّته، بل ازدادت.
كانت هذه الإمبراطوريّات تمتلك ثروات وموارد هائلة، لكنها عجزت عن توقّع ظهور ما سمّاه مارشال هودجسون «الهيمنة الأوروبيّة» والاستعداد لها، وهي ثمرة التحوّل الكبير في مؤسسات أوروبا الاقتصاديّة والسياسيّة والعلميّة والصناعيّة. فمنذ أواخر القرن السادس عشر أفضى هذا التحوّل إلى تغيّراتٍ بالغة الأهمّيّة في القوى الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة الأوروبيّة، حتى إنّه بحلول سنة ١٨٠٠ «كان على جميع الشعوب أنْ تكيّف حكوماتها مع نظام سياسي دولي أوروبي حديث، وأنْ تكيّف اقتصاداتها – وهو الأصعب – مع منافسة أوروبا الصناعيّة تقنياً، وأنْ تكيّف في النهاية أفقها الذهني مع تحدّي العلم الحديث كما دُرّس في أوروبا».12 غير أن حدوث هذا التكيّف سنة ١٨٠٠ أتى متأخّراً، إذ إنّ الهيمنة الأوروبيّة كانت قد ترسّخت وأصبحت عصيّةً على الإيقاف حين نزل نابليون الإسكندريّة في ١ تموز/يوليو ١٧٩٨م. ومع ذلك، ظلّ هذا الوصول المفاجئ لنابليون إلى الإسكندريّة نقطة مفصليّة تدلّ على تلك الهيمنة التي ستتجلّى بأقصى ما يكون من القسوة في القرون التالية.
لماذا انهارت الإمبراطوريّات الإسلاميّة الثلاث؟ ومتى اختلّ ميزان القوى العالميّة لصالح أوروبّا؟ وكيف؟ ولماذا لم يُبصر أحدٌ في الأمّة الكارثة المقبلة في وقتٍ مبكّر يكفي لدفعها أو تخفيف آثارها؟
هذه أسئلة ثقيلة الشأن تصدّى لها عدد كبير من الباحثين منذ ترسّخ الهيمنة الأوروبيّة. وقد صاغ الخطاب الإصلاحي القرون السابقة، وبخاصة القرن السابع عشر، بوصفها عصراً «تميّز بتقليد علمي دون تفكير، وبوحدة وجود صوفيّة ساذجة، وبممارساتٍ دينيّة شعبيّة تلفيقيّة وشركيّة».13 لكنّ الأبحاث الحديثة طعنت بجدّيّة في هذه السرديّة فيما يخصّ الدولة العثمانيّة. وتذهب دراسات جديدة إلى أنّه لم يَعُد ممكناً تصوير القرن السابع عشر قرناً قاتماً «يُرى فيه، على ضفّةٍ من ضفّتي البحر المتوسّط، غاليليو وكبلر وبيكون ونيوتن وديكارت ومالبرانش وسبينوزا ولوك ولايبنتز، بينما لا يُرى على الضفّة الأخرى إلا مؤرّخون شعبيّون، ومتصوّفة يدوّنون يوميّاتهم، ومروّجون للمعرفة الطبّيّة أو السحريّة، وأشباههم».14 كما تحاول هذه الدراسات أنْ تفكّك سرديّة «انتصار التعصّب» التي روّج لها – ضمن آخرين – خليل إينالجك، ومارشال هودجسون، وفرانسيس روبنسون.15 فلم يكن هناك متعصّبون ولا «ملالي» يلوّحون بالسيوف في وجه العقلانيّة العلميّة؛ بل إنّ «الأدلّة على حدوث انتصار للتعصّب في الدولة العثمانيّة في القرن السابع عشر، في الجملة، غير مقنعة البتّة. فالـقاضيزادلِيّون (Kāḍīzādelīs) كانوا – في جميع الروايات – أقلّيّةً ضمن الطبقة العلميّة، ثمّ إنّ الشواهد على عدائهم لكلّ العلوم العقليّة شحيحة على نحوٍ يلفت النظر».16
وبالمثل، ندرك اليوم أنّ مرصد إسطنبول الذي بُنِي سنة ١٥٧٧م وهُدِم سنة ١٥٨٠م لم يُهدَم بسبب معارضة العلماء لعلم الفلك، بل بسبب استخدامه في علم التنجيم، ولا سيما بعد نبوءةٍ خاطئة تتعلّق بانتصارٍ عثماني على الصفويّين.17 وعلى المنوال نفسه، فقد تعرّضت ما تُسمّى بأطروحة «الانحطاط العثماني» للتشكيك أيضاً:
«أيْ الفكرة القائلة إنّ الدولة، في أواخر القرن السادس عشر، بعد عهد السلطان سليمان الأوّل (١٥٢٠-١٥٦٦م)، دخلت طورَ انحطاطٍ طويلٍ لم تتعافَ منه حقّاً قطّ، رغم المحاولات البطوليّة للإصلاحات التغريبيّة في القرن التاسع عشر. وعلى مدى العشرين عاماً الماضية تقريباً… رفض مؤرّخو الدولة العثمانيّة سرديّةَ الانحطاط لصالح سرديّةِ الأزمة والتكيّف: فبعد تجاوز أزمةٍ اقتصاديّة وديموغرافيّة عاصفة في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، غيّرت الدولة العثمانيّة طابعها من دولةِ فتوحاتٍ عسكريّة إلى دولةٍ بيروقراطيّة أكثر استقراراً إقليميّاً، صار شاغلها الرئيس ليس فتحَ أراضٍ جديدة، بل استخلاصَ الموارد من الأراضي التي تسيطر عليها أصلاً، مع تعزيز صورتها بوصفها حِصنَ الإسلام السُّنّي».18
وإذ تُلقي هذه الدراسات ضوءاً جديداً على هموم العلماء العثمانييّن في القرن السابع عشر، وتُعمِّق تقديرَنا وفهمَنا لأعمال علماء مثل بُرهان الدِّين إبراهيم الكوراني (١٦١٥–١٦٩٠م)، والحسن اليوسي (١٦٣١–١٦٩١م)، وأحمد منجِّم باشي (نحو ١٦٣١–١٧٠٢م)، وعبد الغني النابلسي (١٦٤١–١٧٣١م)، فهي لا تقدّم مع ذلك إجاباتٍ عن الأسئلة الحاسمة المتعلّقة بتحوّل ميزان القوى العالمي. إنها تُقدِّم أدلّةً مقنعة على أنّ هؤلاء العلماء البارزين لم يكونوا استثناءاتٍ في قرنٍ قاتم، إذ شهد القرن نفسه كثرةً من الأعلام الآخرين (أحمد المقَّري، ويحيى الشاوي، ومحمدَ الروداني في المغرب؛ وتلميذَ إبراهيم الكوراني محمدَ البرزنجي في المدينة؛ وعبدَ القادر البغدادي في القاهرة؛ وخيرَ الدِّين الرملي في فلسطين؛ وقاسمَ الخاني في حلب…)،19 لكنها لا تجيب عن الأسئلة الحاسمة، بل تُضاعِف ثقلها: لماذا لم يُدرك هؤلاء العلماء الكبار أنّ وجود حصن الإسلام ذاته بدأ يتعرّض لتهديدٍ خارجي؟ لماذا لم تُصقِل دراستُهم العميقة للعلوم العقليّة ملكاتِهم بما يكفي لبلوغ فهمٍ واضح للخطر المحدق؟ وإنْ عجزوا عن اتخاذ إجراءاتٍ عمليّة، أما كان بوسع نصحهم الحكيم أنْ يوفّر قيادةً فكريّة، ويقترح مسالك لتصحيح المسار قبل فوات الأوان – على نحوٍ ما فعله شاه وليُّ الله الدهلوي (١٧٠٣–١٧٦٢م) في الدولة المغوليّة في القرن التالي، وإنْ كان ذلك بعد فوات الأوان؟
ولعلّ الإجابات عن هذه الأسئلة لن تُستَكمل أبداً، لأنّ هذه التحوّلات الكونيّة الواسعة تظلّ، في نهاية المطاف، أعلى من طاقة الفهم البشري. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.20
* * * * *
أين الأمل؟
بعيداً عن لا مبالاة الدولة القوميّة، يقف ملايين الأفراد من المسلمين بين يدي ربّهم في جوف الليل يدعون بتفريج كرب إخوانهم وأخواتهم، وتتحرّك المنظّمات الخيريّة الإسلاميّة عند وقوع الكوارث الكبرى، وتنفطر القلوب ألماً لأجل أمٍّ فقدت طفلها ذي الأربع سنوات في غابة تحت درجات حرارة متجمّدة، ويشعر المسلمون في كلّ مكان بألم مَن عُلِّق مصيرهم في منطقةٍ حرام بين بولندا وبيلاروسيا، يدفَع بهم الحرس بين الأسلاك الشائكة على جانبي الحدود. وهناك إحساس دائم بالتضامن مع المؤمنين المستضعفين، على الرغم من أنّ هذا الردّ لا يظهر في أيّ استبيان أو رسم بياني أو إحصاء. غير أنّ هذا لا ينتقص من أهمّيّته، وهو يعكس أيضاً ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم كمَثَل الجَسَدِ؛ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى».21
هذا النبض في جسد الأمة، الموسوم في زماننا بالألم والمعاناة، يحتاج أنْ يتحوّل إلى آليّةٍ فاعلةٍ ومستدامة للتغيير، حتى يتمكّن المسلمون من العيش من جديد بكرامةٍ وسلام. وهذا ليس يسيراً، لكن لا خيار آخر أمام المؤمنين؛ فلا بدّ من غرس تلك «الفسيلة» الصغيرة في اليد، ولو كانت الساعةُ قد أزِفَت.22
قد يكون الأمل قليلاً، لكنّه لا يمكن أن ينعدم عند المؤمن. ومع ذلك، فإنّ الإرشاد الذي يقدّمه الغزالي يذكّرنا بضرورة التمييز النقدي بين الرجاء الحق والتمنّي، وقد بيّن الفرق بينهما بمثال مَن:
«يطلب أرضاً طيّبة، فينثر فيها بذراً جيّداً غيرَ فاسد ولا مسوّس، ثم يتعهّدها بما يلزم من السقي في الأوقات المناسبة، ويزيل من حولها الأشواكَ والحشائشَ وكلَّ ما يعيق نموّ البذر أو يورثه العفن، ثم يجلس بعد ذلك مترقّباً من فضل الله أنْ يصرف عنها الصواعقَ والآفات حتى يدرك زرعَه ويبلغ مقصودَه؛ فهذا انتظاره يُسمَّى رجاءً».
وعلى الجهة الأخرى، من:
«ينثر البذر في أرضٍ صُلبة مجدبة، أو سبخة راكدة، أو مرتفعة لا يصلها ماء، ولا يبذل أيّ جهدٍ في إعداد البذر أو الأرض، ثم ينتظر حصاداً، فإنّ انتظاره هذا يُسمّى حماقةً وخداعاً للنفس لا رجاءً. وإنْ نثر البذر في أرضٍ طيبة لكن بلا ماء، ثم قعد ينتظر أمطار السماء في موضعٍ لا يكاد يهطل فيه المطر، كان انتظاره هذا تَمَنِّياً لا رجاءً.
والحقيقة أنّ اسم الرجاء لا يكون مشروعاً إلا في توقّع أمرٍ محبوب قد وُفِّرت له من جهة العبد أسبابه الممكنة في حدود طاقته، ولم يبقَ إلا ما هو خارج عن طاقته، كبركة الله في دفع الطير والآفات عنه».23
لقد غدا الأمل اليوم كامناً في صميم الحقائق القاسية لعصرنا، وإنّ من الواجب الكفائي على علماء الأمة أن يقوموا بـ: ١) رسم هذه الحقائق بأكبر قدرٍ ممكن من الوضوح؛ ٢) النظر الموضوعي في آليات «التعديل الجيني» فائق السرعة لمجتمعات المسلمين الجاري الآن على قدمٍ وساق؛ ٣) القيام بالعمل الشاقّ في تهيئة «التربة»؛ ٤) زرع البذور لتغييرٍ داخلي يعيد توجيه البوصلة، مع تفويض نتائج الجهد لله سبحانه وتعالى. ولا ريب أنّ هذا تكليف جسيم، غير أنّه لا مهرب من هذه المسؤوليّة، مع الحاجة الدائمة إلى الوعي بالحدود والقدرات، فرديّاً وجماعيّاً.
وهناك نقاط أملٍ ملموسة يجدر التوقّف عندها: فالعمر الوسيط للمسلمين هو ٢٤ سنة، أي أقلّ بسبع سنوات من العمر الوسيط لغير المسلمين.24 وهذا العامل وإنْ كان يغذّي أيضاً مسار التحوّل السلبي السريع الجاري الآن، فإنّه يبعث على الأمل، لأنّ المسلمين في هذه الفئة العمريّة يُظهرون تعطّشاً شديداً للمعرفة الأصيلة بالإسلام. وحتّى في بلدان مثل تركيا، حيث تقلّص الحيّز العامّ للإسلام، ظهرت انفتاحات جديدة. كما تضاعفت الموارد؛ فالمؤلَّفات التقليديّة للتّراث الإسلامي بلغت «المرحلة الثانية» من استعادتها، إذ صدرت أولاً في طبعاتٍ تجاريّة، ثم بدأت الآن تصدر في طبعاتٍ محقَّقة تحقيقاً علميّاً، وحجم هذا الجهد وحده ممّا يبعث على الأمل.
وهناك نقاط أملٍ أخرى: فخارج ديار الإسلام التقليديّة يوجد عددٌ ملحوظ من المسلمين في أوروبا والمملكة المتّحدة وأمريكا الشماليّة. وظهور هذه الجاليات ظاهرةٌ شاذة تاريخيّاً من حيث الطريقة التي وصل بها المسلمون إلى تلك الديار؛ إذ إنّ معظمهم وصلوا مهاجرين أو عمّال مصانعٍ أو مزارع أو لاجئين، وهو أمر غير معهود، لأنّ المسلمين – قبل ذلك – إنّما كانوا يصلون إلى ديار غير المسلمين فاتحين أو تجّاراً. وهذا الانفتاح غير المسبوق لأراضٍ جديدة على الإسلام والمسلمين حدثٌ لا نظير له في تاريخ الأمّة؛ فلم يكن في وُسع أحدٍ سنة ١٩٥٠ أن يتنبّأ بأنه مع نهاية ذلك القرن المتحوِّل سيرفع المسلمون ذكر الله سبحانه وتعالى في «أرض شمس منتصف الليل».25
وهذا الفتح للإسلام والمسلمين لا يُنسَب إلا إلى مرسِل الرسالة سبحانه، وقد جلب إلى الأمّة فرصاً غير مسبوقة في لحظةٍ تاريخيّةٍ يقع فيها قلبُ ديار الإسلام تحت قبضة نخبةٍ حاكمة مستعبَدةٍ فكريّاً، فقدت إدراك الضرورة النموذجيّة لكيان الأمّة، وصارت مجرّد حكّام مستبدّين على ممالِكهم الصغيرة، يتّسمون بلا مبالاةٍ فادحة تجاه معاناة إخوانهم في الإيمان.
لا يُراد بهذا الكلام الإيحاء بأنّ جاليات المسلمين في الغرب لا تواجه مشكلاتها الخاصّة، بل المقصود إبراز فرصةٍ لم يكن بالإمكان توقّعها. فالجيل الثاني – وفي بعض الحالات الثالث – من المسلمين في الغرب بدأ يجد عملياً طريقه في هذه الديار الجديدة، وما زال أمامه أنْ يرسّخ لنفسه أرضيّةً صلبة للتحرّك داخل المنظومة الغربيّة للحكم. ومع كثرة الفِخاخ والمنزلقات، يبقى الأمل قائماً في أنْ يكون لأعماله أثرٌ عالمي على مستوى فهم الحالة الراهنة للأمّة، وتحديد ما يلزم لتصحيح الاتْجاه.
وليس صعباً تحديد العامل الأشدّ فاعليّةً في «التعديل الجيني» فائق السرعة لمجتمعات المسلمين: إنّه التكنولوجيا. والعالم الإسلامي ليس وحده في هذه الورطة؛ فجميع المجتمعات غير الغربيّة تواجه أثراً غير مسبوق للتقنية الحديثة، وهناك أقاليم بأكملها تجاوزت مرحلتين من مراحل التحوّل المدفوع بها. فالتقنيات تُغيِّر طريقة عيشنا؛ إذ كتب فيرنر هايزنبرغ (١٩٠١–١٩٧٦م) – صاحب مبدأ عدم اليقين (أو اللا حتميّة) سنة ١٩٢٧ الذي حوّل قوانين الفيزياء إلى قضايا تتعلّق باليقين النسبي لا المطلق – أنّه «يجب أن نتذكّر أنّ كلّ أداة تحمل معها الروح التي خُلِقت بها».26 وقد أدرك هايزنبرغ ذلك سنة ١٩٥٨، لكنّ طبيعة التقنية قد تغيّرت منذئذٍ أضعافاً مضاعفة، وكذلك حجم تأثيرها. ومع ذلك يبقى هناك أملٌ في تسخير التكنولوجيا للتّغيير الإيجابي لا للتخريب.
إنّ تهيئة الأرض لبذر بذور التغيير الإيجابي ليست مهمّةً يسيرة، وقد تستلزم جيلاً كاملاً من العلماء المسلمين؛ غير أنّ رحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى، كما تقول الحكمة القديمة، وتوكّلُنا على الله وحده.
* * *
الاقتباس المقترحة:
مظفرإقبال، «الأمة إلى أين؟ الأمل في أزمنة الأزمات الوجودية»، ترجمة أنس خضر، أمّتكس، ١٣ أبريل ٢٠٢٦،
هوامش
- للاطلاع على ما كُتب سابقًا في هذا الموضوع، انظر:
“Challenges to Islam and Muslims: What is to be done?” Islamic Studies 42:4 (2003), available at https://jis.cis-ca.org/challenges-to-islam-and-muslims-what-is-to-be-done.html, accessed March 2, 2022.
- الأنفال: ٦۳.
- محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»، (بيروت، لبنان: دار التراث، ۱۳۸۷هـ)، ٤:٥۳۹.
- الأحزاب: ۱۰، ۱۱.
- رواه أحمد (۱٤۲٤۹، ۱۸۷۱٦)، والنسائي (۳۱۷٦، ۸۸۰۷)، وحسنه ابن حجر في فتح الباري (۷\٤٥۸).
- رواه أبو داود في كتاب الملاحم، وأحمد في تتمة مسند الأنصار من حديث ثوبان، والبيهقي في شعب الإيمان (۱۳:۱٦\۹۸۸۷).
- تأسس مجلس التعاون الخليجي في العاصمة السعودية الرياض، في مايو ۱۹۸۱، ويضم دولة الإمارات، ودولة البحرين، والسعودية، وسلطنة عمان، ودولة قطر، ودولة الكويت.
-
Al-Nohair, Sultan, “Obesity in gulf countries,” International Journal of Health Sciences, Vol. 8, 1 (2014): 79-83. doi:10.12816/0006074; https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4039587/, accessed February 27, 2022.
-
https://www.fao.org/3/X8200E/x8200e03.htm, accessed February 27, 2022.
- بحلول عام ١٩٤٩، سيطر الحزب الشيوعي الصيني على البر الصيني الرئيسي (mainland)، والذي سمي بجمهورية الصين الشعبية، بينما انسحبت جمهورية الصين إلى جزيرة تايوان. لكن القوى الغربية لم تعترف بجمهورية الصين الشعبية، مما أدى إلى وجود دولتين ومقعد واحد في مجلس الأمن. عارضت الولايات المتحدة وحلفاؤها استبدال جمهورية الصين في الأمم المتحدة حتى عام ١٩٧١، قبل أن يعترفوا بجمهورية الصين الشعبية نظرًا لتطوّرها الاقتصادي والعسكري. ومنذ ذلك الحين، أصبحت جمهورية الصين الشعبية عضوًا في مجموعة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
- جادل مؤرخو العلوم، على نحوٍ معقول، بأنّ «العصر الذهبي لعلم الفلك الإسلامي» يقع بين منتصف القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وليس في القرنين التاسع والعاشر كما كان يُفترض سابقًا. انظر، على سبيل المثال:
George Saliba, A History of Arabic Astronomy (New York: New York University Press, 1994), 15 and passim.
-
Marshall G. S. Hodgson, Venture of Islam, 3 vols. (Chicago: The University of Chicago Press, 1974), 3: 177.
-
Khaled El-Rouayheb, Islamic Intellectual History in the Seventeenth Century: Scholarly Currents in the Ottoman Empire and the Maghreb (New York: Cambridge University Press, 2015), p. 2.
-
D. A. King, “Takī al-Dīn b. Muḥammad b. Maʿrūf,” Encyclopedia of Islam, 2nd ed. (Leiden, Brill, 1960-2002), Vol. 10, 132-133.
-
Jane Hathaway, with contributions by Karl K. Barbir, The Arab Lands Under Ottoman Rule, 1516–1800, end edition (New York, Routledge, 2013), pp. 7-8.
- آل عمران: ١٤١.
- -رواه البخاري (كتاب الأدب، رحمة الناس والبهائم: ٦۰۱۱)، ومسلم (كتاب البر والصّلة والأدب، تراحم المؤمنين وتعاطفهم: ۲٥۸٦).
- عن أنس بن مالك ري الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن قامتِ السَّاعةُ و في يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها»، رواه أحمد (۲: ۲۹٦، ۱۲۹۸۱)، وأبو داود (۳:٥٤٥، ۲۱۸۱)، والبخاري في (الأدب المفرد: ٤۷۹).
-
Fear and Hope, Book 33 of Iḥyāʾ, translation and annotation by William Mc Kane, Leiden: E.J. Brill, 1965, pp. 3-4; translation slightly modified.
-
According to a 2015 Pew Center survey, Muslims are the youngest (median age of 24 years) of all major religious groups, seven years younger than the median age of non-Muslims. https://www.pewresearch.org/fact-tank/2017/08/09/muslims-and-islam-key-findings-in-the-u-s-and-around-the-world/, accessed February 14, 2022.
- الإشارة هنا إلى مدينة ترومسو النرويجية.
-
Heisenberg, Werner (1958, 1999), Physics and Philosophy: The Revolution in Modern Science, Prometheus Books, New York, pp. 27-28.


